عودة: إنسان اليوم مدعو أن يرى النور العظيم
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر السياسي
Jan 11 26|14:52PM :نشر بتاريخ
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "عندما يخبرنا الإنجيلي متى أن الرب يسوع «لما سمع أن يوحنا قد أسلم، انصرف إلى الجليل وترك الناصرة وجاء فسكن في كفرناحوم... ليتم ما قيل بإشعياء النبي» لا يصف لنا مجرد انتقال جغرافي في حياة الرب، بل يفتح أمامنا سرا خلاصيا عميقا. فالجليل، «جليل الأمم»، أرض اليهود فيها قليلون وغالبية سكانها وثنيون. إنه المكان الذي اختلط فيه النور بالظلمة، والإيمان بالوثنية، والرجاء بالضياع. هناك، حيث يظن الإنسان أن الله بعيد، يبدأ الرب يسوع خدمته العلنية، لأن الله لا ينتظر الإنسان في أماكن الطمأنينة فقط، بل ينزل إليه في أطراف الوجود، في ضعفه وقلقه وضياعه. ترك يسوع موطنه الناصرة وقدومه إلى أرض مظلمة هو صورة لنزول كلمة الله من موطنه السماوي نورا لجنس البشر، أسير شهواته وخطاياه التي صدعت صورة الله فيه وعرته من لباس الكمال الذي خلق عليه، وذلك تحقيقا لنبوءة أشعياء: «الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما».
أضاف: "هذا النور ليس فكرة ولا تعليما مجردا، بل شخص حي. يشدد الآباء القديسون على أن المسيح لم يكتف بأن يعلم عن النور، بل أشرق هو ذاته كنور. يقول القديس كيرلس الإسكندري إن المسيح «أضاء على الجالسين في ظلال الموت، لا بكلمات فقط، بل بحضوره المحيي». هنا، يكمن جوهر البشارة: «توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات». التوبة في المفهوم الأرثوذكسي ليست شعورا بالذنب ولا ندما نفسيا، بل هي تحول في الذهن والقلب، وعبور من الظلمة إلى النور، ومن الإنغلاق على الذات إلى الحياة في الله باتخاذه المسيح قدوة في كل عمل وسلوك. إنسان اليوم، الذي يسابق الزمن وسط الضجيج والقلق، يشبه أهل الجليل بظلمة حياته. هو يعيش في عالم مفتوح كقرية كونية فيما شعور الوحدة يغمره، عالم مضاء بالتكنولوجيا لكنه مظلم بالنزاعات والحروب والفردية والمادية. عالم يضج بآلاف الأصوات، لكنه يفتقر إلى الكلمة المحيية. لذلك، تبقى دعوة المسيح راهنة: «توبوا»، أي غيروا اتجاه حياتكم، أفسحوا للنور مكانا، دعوا الملكوت يقترب منكم لا كحدث مستقبلي فقط، بل كخبرة تعاش هنا والآن. يقول القديس إسحق السرياني إن «التوبة هي باب الرحمة، ومن دخلها خرج من ضيق هذا العالم إلى فسحة الله».
وتابع: "من هذا النور المنسكب في الجليل، ننتقل مع الرسول بولس إلى رسالة اليوم، حيث تترجم الحياة في الملكوت إلى واقع كنسي ملموس. يقول: «أذكروا مدبريكم الذين كلموكم بكلمة الله، تأملوا في عاقبة تصرفهم واقتدوا بإيمانهم». الكنيسة لا تعيش في فراغ، ولا تبني ذاتها على أفكار متقلبة، بل على عقيدة ثابتة تسلم من جيل إلى جيل، منذ الرسل حتى رعاة اليوم، كما تبنى على الشهادات الحية التي خطها قديسون وآباء بحبر حياتهم، وعلى أناس صاروا بدورهم نورا لأنهم اقتدوا بالمسيح. الآباء والمرشدون والمدبرون ليسوا أبطالا معصومين، بل شهود للرب، اقتبلوا الإيمان وجاهدوا رغم الصعوبات والتجريح والإضطهادات، حتى أصبحت أقوالهم وأعمالهم تفسيرا حيا للإنجيل. يضيف الرسول: «إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى مدى الدهر». هذه العبارة هي حجر الزاوية في زمن يتغير فيه كل شيء بسرعة مخيفة. ما يتبدل هو أمور هذا العالم، أما المسيح فثابت، لأنه الحق ذاته. لذلك، يحذرنا الرسول بولس قائلا: «لا تنقادوا لتعاليم متنوعة غريبة فإنه يحسن أن يثبت القلب بالنعمة». هذا التحذير ليس بدافع الخوف، بل حفاظا على القلب من التشتت. فالإنسان الذي لا يرتكز على ثبات المسيح، يتحول إلى إنسان مجرب باستمرار، يتنقل من فكرة إلى أخرى من دون أن يجد سلاما".
وقال: "تتقدم الرسالة إلى عمق السر الإفخارستي حين تقول: «إن لنا مذبحا لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه». هذا المذبح هو صليب المسيح، الذي يبدو للعالم ضعفا، لكنه في الحقيقة قوة الحياة الجديدة. من هنا، تأتي الدعوة الصعبة والجميلة معا: «فلنخرج إذا إليه إلى خارج المحلة حاملين عاره». أن نخرج إلى المسيح يعني أن نقبل أن نكون على هامش منطق العالم، وأن نحمل صليب المحبة والصدق والحق في عالم قائم على الكذب والمساومة والمصلحة والحلول السهلة. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول إن «المسيحي لا يدان لأنه شرير، بل لأنه يشبه المسيح في عالم لا يحتمل صورته». الخاطئ لا يدين الخطيئة ولا الخاطئ لكنه يدين من اتخذ المسيح مثالا فصار دينونة له".
أضاف: "أخيرا، يضع الرسول أمامنا العبادة الحقيقية قائلا: «فلنقرب به إذا ذبيحة التسبيح كل حين وهي ثمر شفاه معترفة لاسمه. لا تنسوا الإحسان والمؤاساة، فإن الله يرتضي مثل هذه الذبائح». هنا، يلتقي الإنجيل بالحياة اليومية. فالنور الذي أشرق في الجليل لا يختبر فقط في الصلاة والكلام، بل في فعل الرحمة والإحسان والمؤاساة، وفي المشاركة، وفي تحويل الإيمان إلى محبة عملية. التسبيح الذي لا يترافق مع العطاء يبقى ناقصا، والإفخارستيا التي لا تمتد إلى الأخ المحتاج تبقى غير مكتملة. هكذا، من الجليل إلى الكنيسة، ومن النور إلى الذبيحة، يكشف لنا الروح القدس طريق الحياة المسيحية، وهي توبة دائمة، وجهاد مستمر ضد الشر، وثبات في المسيح، واقتداء بالشهود، وعبادة تترجم محبة وتضحية ورحمة".
وختم: "إنسان اليوم، رغم كل ظلامه، مدعو أن يرى النور العظيم، لأن المسيح الذي سكن في كفرناحوم الجليل ليبشر أهلها بالتوبة والخلاص، ما زال يسكن «كفرناحوم» حياتنا، وما زال يقول لنا: «توبوا فقد إقترب ملكوت السموات»، فافتحوا قلوبكم للنور، وجاهدوا لتكونوا أنتم أيضا نورا للآخرين".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا