العربي الجديد: مستشفيات لبنان... خدمات طوارئ على وقع الحرب وشحّ الموارد
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Mar 16 26|07:43AM :نشر بتاريخ
تكافح المستشفيات اللبنانية في الجنوب والشرق من أجل توفير الرعاية الصحية الطارئة، وسط غارات إسرائيلية عنيفة، ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والمحروقات، ونزوح الكوادر.
رغم شحّ الموارد الحيوية وتقلص الكادر الطبي والتمريضي وخطر الاستهداف الإسرائيلي، تُواصل المستشفيات اللبنانية في محافظتَي الجنوب والبقاع عملها. غير أنّ استمرار الحرب وغياب الدعم يضعها أمام اختبار قاسٍ، قد يحدد قدرتها على الصمود خلال الأيام المقبلة. وأجلت مستشفيات عدّة في الضاحية الجنوبية لبيروت مرضاها إلى مستشفيات أخرى في محافظتَي بيروت وجبل لبنان، عقب إنذارات إسرائيلية بالإخلاء، ما أسفر عن وفاة مريضتَين.
ويواصل جيش الاحتلال استهداف القطاع الصحي منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي، وصولاً إلى توجيه إنذار باستهداف سيارات الإسعاف بزعم استخدامها من قبل حزب الله.
تضمّ مدينة صور (جنوب) أربعة مستشفيات، هي مستشفى جبل عامل، ومستشفى حيرام، والمستشفى اللبناني الإيطالي، ومستشفى صور الحكومي، وهي تعمل بشكل شبه طبيعي، مع التركيز على أقسام الطوارئ والعمليات. يقول الطبيب في المستشفى اللبناني الإيطالي، إبراهيم فرج، لـ"العربي الجديد"، إنّ "واقع المستشفى اليوم يشبه الواقع الذي كان عليه خلال الحرب الإسرائيلية في عام 2024. لا توجد موجة ضغط في أعداد الجرحى بالمعنى الفعلي، كما أن المخزون كافٍ، لأن غالبية المواطنين غادروا المنطقة، ولم يبقَ سوى ما يقارب 20% من السكان".
ويضيف فرج: "جدول مواعيد غسل الكلى ما زال مبرمجاً، ولم يُنقل المرضى إلى مستشفيات مدينة صيدا. نزح عدد من الكادر التمريضي والعاملين، لكن هناك على الدوام أطباء وممرضون، وأستبعد إخلاء المستشفيات في هذه المرحلة، لا سيّما أن العديد من كبار السن ما زالوا في المنطقة. وسنظل موجودون طالما هناك مواطنون في المنطقة، لكنّنا نأمل ألا نستقبل عدداً كبيراً من الجرحى".
ويلفت إلى أن مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل خُصّص للعمليات الإسعافية الأولية، ومن ثم يُنقل الجرحى إلى مدينة صور. وحول أوضاع المستشفى المحاذي للقرى الحدودية، اكتفى مديرها الطبيب علي شلهوب، بالقول إنّ "المستشفى بخير".
تقتصر خدمات مستشفيات لبنانية عدة على الطوارئ والجراحات الأولية، وقرار الإخلاء غير وارد رغم أن العدو يعتبرها هدفاً عسكرياً
يقع مستشفى تبنين الحكومي في قضاء بنت جبيل ضمن منطقة جنوب الليطاني، ويصف مديره الطبيب محمد حمادي، الوضع بأنّه شبيه بحال الجنوب، إذ يقتصر العمل على أقسام الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية الفائقة. ويوضح لـ"العربي الجديد": "لدينا ستّة مرضى فقط، ومخزون المواد الأولية والطبية مؤمّن لثلاثة أشهر، لكننا على تواصل مع وزارة الصحة العامة ومجلس الجنوب واللجنة الدولية للصليب الأحمر، من أجل إمدادنا بالمستلزمات الكافية حال حدث نقص في المخزون. نحن مستشفى حكومي، وغير مطلوب إخلاؤه لأنّنا محيّدون عن العمليات العسكرية".
بدوره، يؤكد مدير مستشفى حيرام في صور، الطبيب سلمان عيديبي، لـ"العربي الجديد" أنّ المستشفى تحوّل إلى مركز طوارئ متخصّص في معالجة جرحى الحرب، إلا أنّ نحو 10% من أقسام المستشفى تواصل استقبال مرضى من الأهالي الذين لم يغادروا صور. موضحاً أن قدرتهم على الصمود في ما يخص المستلزمات الطبية والمواد الأساسية ترتبط بأعداد الجرحى، لافتاً إلى أنّ "المواد المتوفرة تكفي لأسبوعين أو ثلاثة".
وتبلغ القدرة الاستيعابية لمستشفى حيرام مائة سرير، إلا أنّ عدداً كبيراً من موظفي المستشفى والكادر التمريضي اضطروا إلى مغادرة المدينة. ويعمل المستشفى حالياً بنحو مائة موظف موزّعين بين أطباء وممرضين وموظفي الصيانة والتنظيف، فيما يبلغ العدد الفعلي للعاملين في المستشفى في الأيام العادية 250 موظفاً.
تضم مدينة النبطية (جنوب) ثلاثة مستشفيات، هي مستشفى النبطية الحكومي، ومستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي، ومستشفى النجدة الشعبية، وهي تكتفي باستقبال جرحى الحرب، فيما تعاني من نقصٍ في الأطباء.
وتكشف مديرة مستشفى النجدة الشعبية، منى أبو زيد، لـ"العربي الجديد"، أنّ خطة الطوارئ ما زالت مُفعّلة منذ الحرب الإسرائيلية الماضية، وتقول: "تستقبل المنطقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 جرحى الاستهدافات الإسرائيلية المستمرة في القرى التابعة لقضاء النبطية والجوار. بعد القصف الفوسفوري في جنوبي لبنان، تدرّبنا بالتعاون مع جهات دولية على معالجة الحروق، وما زلنا نتّبع الخطة ذاتها".
وتضيف أبو زيد: "يواجه مستشفى النجدة الشعبية تهديدات عديدة، أبرزها النقص في المحروقات، والمخزون يكفي لثلاثة أسابيع فقط في حال لم تصل الإمدادات، إضافة إلى نقص اللوازم التي تحتاجها أقسام العناية الفائقة، مثل الأوكسجين، كما يعاني المستشفى نقصاً في الطواقم الطبية، إذ يعمل حالياً بعشرة أطباء فقط، وسط غياب أطباء جراحة العظام، فيما يجري تبادل الأطباء بين المستشفيات الثلاثة الموجودة في مدينة النبطية. أمّا عدد الممرضين فيبلغ 49 ممرّضاً، بعدما كان العدد 120 ممرّضاً، إذ اضطر القسم الأكبر منهم إلى النزوح".
وعن إنذارات الإخلاء التي طاولت مستشفيات الساحل وبهمن وبرج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت وكذلك مستشفيي بنت جبيل الحكومي وميس الجبل الحكومي في الجنوب خلال الأيام الماضية، تقول أبو زيد: "الإخلاء غير وارد في المرحلة الحالية. نعيش كل يوم بيومه، ونقيّم الأوضاع بالتنسيق مع وزارة الصحة العامة، لكننا أمام عدو غادر يعتبر المستشفيات هدفاً عسكرياً".
في الوقت الحالي، يستقبل مستشفى النجدة الشعبية جرحى الحرب، وقد تحوّل عمليّاً إلى مستشفى ميداني يقتصر عمله على قسم الطوارئ والعناية الفائقة، كما يشهد العمليات الجراحية الأولية للجرحى، على أن يُنقلوا لاحقاً إلى مستشفيات أخرى في مدينة صيدا والعاصمة بيروت، ولا سيّما الحالات التي تتطلب وقتاً أطول للتعافي. كما جرى تحويل مرضى غسل الكلى إلى مستشفيات صيدا.
يُعدّ مستشفى النبطية الحكومي من أكبر مستشفيات المدينة، وهو أيضاً مخصّص لاستقبال جرحى الحرب، ويعمل فيه حالياً 70 ممرّضاً و15 طبيباً من اختصاصات الجراحة العظمية، والقلب، وجراحة الدماغ، إضافة إلى أطباء الصحة العامة والطوارئ.
يقول مدير المستشفى، الطبيب حسن وزنة، لـ"العربي الجديد": "جرى إخلاء المستشفى من الحالات غير الطارئة، ومن مرضى السرطان وغسل الكلى، وتحويلهم إلى مستشفيات صيدا وبيروت. ارتفع عدد الإصابات في الأيام الماضية من جراء الغارات الإسرائيلية، وغالبية الإصابات تُقدَّم لها الجراحات اللازمة، ثم تُنقل إلى مستشفيات العاصمة، ولا سيّما إصابات الأطفال الذين نرسلهم إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. ننسّق مع مستشفى النجدة الشعبية بشكل دائم، وجميع الأطباء يتنقّلون بين المستشفيين، ونعاني من نقص أطباء التخدير، إذ يوجد ثلاثة أطباء تخدير موزعين بين المستشفيين".
على صعيد تأمين المواد الأولية والمحروقات، يضيف وزنة: "نخشى من توقف أصحاب محطات المحروقات عن تزويدنا بها بحسب خطورة الوضع، وصعوبة الوصول إلى المنطقة، والمخزون المتوفر لدينا يكفي 12 يوماً. تأخرت الاعتمادات المالية من قبل وزارة الصحة العامة، لكننا لا نتذمّر، فنحن في حالة حرب، وعلينا تحمّل الظروف القائمة. نخشى فقط من تزايد عدد الإصابات بسبب بقاء العديد من المواطنين في مدينة النبطية وجوارها نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي، وعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف استئجار منازل في مناطق أخرى".
ويتابع: "لم نتعرض حتى اليوم لتهديد مباشر، لكنني لا أستطيع إجبار العاملين والطاقم الطبي على البقاء في حال وصل تهديد مباشر إلى المستشفى".
من شرقي لبنان، يقول مدير مستشفى دار الأمل الجامعي في منطقة دورس (قضاء بعلبك)، الطبيب محمد علام لـ"العربي الجديد": "رغم التهديد بإخلاء المنطقة، لكنّنا لم ولن نترك المستشفى، فلدينا 70 مريضاً يعتمدون على الأجهزة الطبية أو في العناية الفائقة، ولا يمكن أن نخاطر بحياتهم، وفي حال قرّرنا الإخلاء سيؤدي ذلك إلى وفاة العديد منهم. هناك مخاوف من انقطاع الوقود، والمخزون يكفينا لمدة أسبوع، ونخشى توقف أصحاب المحطات عن تزويدنا بالوقود، وتوقف المورّدين عن إمدادنا باللوازم الطبية. تبلغ القدرة الاستيعابية للمستشفى 235 سريراً، فيما عدد موظفيه 700 ممرّض وعامل، لكنّ كثيرين منهم اضطروا إلى النزوح، ولم يتبقَ سوى 110 موظفين".
بدوره، يرفض مدير عام مستشفى بعلبك الحكومي، الطبيب عباس شكر، الإخلاء، معتبراً أنّه "وصفة انتحار"، ويقول لـ"العربي الجديد": "هناك مسؤولية تجاه المرضى، ولا سيّما أننا مستشفى حكومي يقدّم الخدمات الطبية والعلاجية بشكل مجاني في حالة الحرب، لكنّنا نتخوّف من انقطاع المستلزمات الطبية والأدوية، وقد نضطرّ إلى النزول بأنفسنا إلى بيروت لتأمينها حال توقَّف المورّدون عن المجيء إلى منطقتنا بسبب خطر القصف الإسرائيلي، فيما كمية الوقود تكفي لأيام معدودة، ونأمل ألا نتعرض لأزمة. يضمّ المستشفى نحو 80 مريضاً، وتتراوح قدرته الاستيعابية بين 115 و150 سريراً".
يستقبل مستشفى رياق في قضاء زحلة، أعداداً كبيرة من جرحى الاستهدافات الإسرائيلية في منطقة البقاع. ويشير مدير المستشفى، الطبيب محمد عبد الله، إلى أنّه استقبل خلال الأيام الأخيرة 75 جريحاً و46 شهيداً، علماً أنّ جميع حالات الجرحى تُعالج على نفقة وزارة الصحة، والتي تتأخر بدفع مستحقات المستشفيات.
ويضيف عبد الله لـ"العربي الجديد": "كلّ المواد الأساسية ارتفعت أسعارها، ما يدفع أصحاب محطات المحروقات إلى رفع الأسعار أيضاً، فضلاً عن مطالبتهم بكلفة تأمين للقدوم إلى المنطقة. المستلزمات الطبية والمحروقات المتوفرة تكفي لأسبوعين فقط، والوضع أصعب من حرب 2024. في الحرب السابقة كانت المؤسسات الطبية الدولية تؤمّن المستلزمات، وتقدّم لنا التبرعات، أما اليوم فلا أحد يقدّم المساعدة، ولا نعلم إن كنّا سنصمد لوقت طويل".
ويؤكد أن "المستشفى تحول أيضاً إلى مركز نزوح للأطباء والممرضين الذين ينامون فيه لعدم قدرتهم على التنقّل عبر الطرقات التي لم تعد آمنة. لدينا أكثر من 250 موظفاً وممرضاً يحتاجون إلى مستلزمات غذائية، وإلى تأمين احتياجاتهم الأساسية، ولا يمكننا إخلاء المستشفى تحت أي ظرف، فلدينا واجب إنساني. نستقبل الجرحى المدنيين، وتبلغ القدرة الاستيعابية للمستشفى 275 سريراً".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا