الرفاعي: ليكن العيد مناسبةً لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر السياسي
Mar 20 26|12:41PM :نشر بتاريخ
أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي إلى "تطور خطير يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، وأسوأ مشاهده تحول كيان العدو إلى قوة مركزية مهيمنة، تتجاوز كونها فاعلاً إقليمياً إلى لعب دور الآمر الناهي الذي يفرض معادلاته بالقوة. هذا النذير بالتمكين الشيطاني لم يأتِ بمعزل عن التآكل التدريجي لمنظومة القوانين الدولية وفشل الأمم المتحدة في لعب دورها الرادع، مما أسقط هيبة الشرعية الدولية وأعلن بشكل عملي العودة إلى شريعة الغاب، حيث تنتصر إرادة القوة على قوة القانون، وهو ما ينذر بمستقبل مضطرب وغير آمن للجميع".
وقال في خطبة عيد الفطر التي ألقاها في المسجد الأموي الكبير في بعلبك: "الحمد لله الذي كتب على هذه الأمة أن تفرح بطاعته وإن أثخنتها الجراح، وأن تبتسم في وجه الردى وإن ضاقت بها السبل، وجعل للأيام مواسم، وللقلوب مواطن إقبال، وجعل يوم الفطر يوم جائزة تتنزل فيه رحمات السماء على أهل الأرض".
وتابع: "من صبر ظفر، ومن صدق بلغ، ومن طرق باب الله فُتح له، وليس العيد مجرد عودة زمنية، بل هو عودة إلى الفطرة، إلى الصفاء الأول، إلى قلبٍ خفيفٍ من الأحقاد، وروحٍ متصلةٍ بالسماء؛ لذلك سُمّي عيدًا لأنه يعود بالخير، ويعيد للإنسان توازنه، ويذكّره أن الحياة ليست سباقًا نحو الدنيا، بل رحلةٌ إلى الله".
وأضاف: "في العيد تتجلّى رحمة هذا الدين، فيصوغ توازنًا بديعًا: صومٌ وفطر، قيامٌ وراحة، خشوعٌ وفرح، عبادةٌ وحياة؛ فلا رهبانية تُقصي الدنيا، ولا مادية تُغرق الروح، بل إنسانٌ يمشي على الأرض وقلبه معلّق بالسماء".
ورأى أن "عيدنا إعلان وحدةٍ في وجه التمزق، وتذكيرٌ بأن هذه الأمة - رغم حدودها المصطنعة - جسدٌ واحد، يتألم لألمه، ويفرح لفرحه، وأن روابط الإيمان أقوى من كل الخرائط والسياسات".
وأردف: "للصائمين في هذا اليوم بشرى لا تشبهها بشرى: فرحتان وعد الله بهما عباده؛ فرحة الإنجاز عند الفطر، وفرحة اللقاء عند المصير، يوم تُفتح خزائن الثواب، ويُقال لهم: هذا ما ادَّخرتم لأنفسكم، وهذا ما وعدكم ربكم، فخذوه هنيئًا بما صبرتم".
واعتبر أن"العيد - في واقعنا - ليس بسمةً خالصة، بل لوحةٌ مركّبة من نورٍ ووجع، من فرحٍ مكتوم ودمعةٍ حاضرة؛ نبتسم لأننا أطعنا الله، ونبكي لأن أمتنا ما زالت تدفع أثمانًا باهظة في ميادين الظلم والصراع".
وقال: "نستقبل العيد وعيوننا على بيوتٍ هُجّرت، وأسرٍ شُرّدت، وأطفالٍ كُتب عليهم أن يتعلموا معنى العيد من خلف الخيام لا من دفء البيوت، في مشهدٍ يختصر قسوة العالم واختلال موازينه".
وأضاف: "يهلّ العيد وغزة تنزف، ولبنان يتألم، وساحات الأمة مفتوحة على جراحها، فيما العالم يراقب ببرودٍ مريب، وكأن الدم العربي والإسلامي صار خبرًا عابرًا في نشراتٍ بلا ضمير ولا رحمة... يمرّ العيد والمسجد الأقصى يئنّ من القيود، يُمنع أهله من الصلاة فيه، وتُغلق أبوابه في وجوه المصلين، في مشهدٍ لا يختبر فقط قوة الاحتلال، بل يختبر - قبل ذلك - مستوى وعي الأمة وإرادتها".
ولفت إلى أن"قضايا المظلومين والموقوفين تبقى عالقةً بين دهاليز العدالة المؤجلة، حيث يُرفع شعار القانون ويُغيب العدل، وتُقال كلمات الوحدة فيما تُمارس سياسات التمييز، في مفارقةٍ تكشف عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية".
وشدّد على أن "الأمل لا يسقط، لأن هذه الأمة لم تُبنَ على اليأس، بل على وعدٍ إلهيٍ بأن للحق جولة، وأن للباطل ساعة، وأن نار الحروب – مهما اشتعلت – سيطفئها الله، وأن المستقبل لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه الإرادة المؤمنة". ودعا إلى أن "يكون العيد مناسبةً لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، لشكر النعمة، وصلة الرحم، وترميم ما تصدّع من العلاقات، ولإدخال الفرح إلى القلوب دون إسراف، ولتحويل الفرح من حالةٍ فردية إلى مشروع تضامنٍ جماعي".
وختم الرفاعي: "هكذا يكون العيد كما أراده الله: عبادةً ممتدة، ووعيًا متجددًا، وفرحًا مسؤولًا، وأملًا لا ينكسر. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعل أعيادنا القادمة وقد تبدّلت أحوال الأمة إلى ما يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا