الجمهورية: الاختبار يبدأ من الجنوب والشيباني في بيروت اليوم

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 30 26|06:43AM :نشر بتاريخ

 على رغم من التقدّم في صياغة الإتفاق الإطاري، لا يزال النقاش داخلياً يدور حول تفاصيله وضماناته. فبين مَن يراه فرصة لإنهاء الصراع، ومَن يطالب بتعديلات تضمن التوازن، يبقى المسار مفتوحاً على أكثر من احتمال، بانتظار ما ستكشفه مرحلة التنفيذ. فيتقدّم ملف السيادة كعنوان رئيسي في النقاشات الجارية، حيث تتداخل الإرادات الداخلية مع الضغوط الخارجية. وبينما تؤكّد السلطة السياسية على حصرية القوّة بيد الدولة، يبقى التطبيق رهناً بتوازنات داخلية دقيقة ودعم دولي مشروط.

موقف التيار

وفي متابعة لتداعيات الاتفاق الإطاري، أشارت أوساط «التيار الوطني الحر» لـ«الجمهورية»، إلى أنّ «التيار لا يرفض الاتفاق بالمطلق، لأنّ إنهاء الاحتلال هدف وطني لا خلاف عليه، ولأنّ حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة مطلب وطني طالما نادَينا به»، موضحةً «أنّ البديل عن التفاوض ليس بالضرورة أفضل، بل قد يكون استمرار الحرب والاحتلال والدمار».

وأوضحت أوساط «التيار»، أنّ الدافع وراء عدم تأييد الاتفاق تأييداً مطلقاً و«على بياض»، هو «وجود نقاط تحتاج إلى تصحيح وضمانات»، لافتةً إلى أنّ «الحقوق الوطنية لا تُحمى بالنوايا، بل بالنصوص الواضحة». وأكّدت الأوساط: «إذا كان الاتفاق يؤدّي فعلاً إلى إنهاء الاحتلال وتمكين الجيش والدولة من تحمُّل مسؤولياتهما، فهذا إنجاز وطني. أمّا إذا تحوَّل إلى التزامات على لبنان من دون التزامات موازية على إسرائيل، فسنكون أول المطالبين بتصحيح هذا الخلل».

مسار الاتفاق الإطاري

تشهد الساحة اللبنانية مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتجاوز حدود التفاهمات السياسية التقليدية، لتدخل عملياً في طور اختبار تنفيذ الاتفاق الإطاري الأمني الذي تمّ التوصُّل إليه بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية وبمشاركة أطراف إقليمية. هذا التحوُّل يضع الدولة اللبنانية أمام استحقاق مركّب، يجمع بين إعادة تعريف وظيفة القوّة العسكرية على الأرض، وإعادة تموضع السلطة السياسية في إدارة ملف بالغ التعقيد على المستويَين الداخلي والإقليمي.

في هذا الإطار، تندرج زيارة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر إلى بيروت، حيث عقد لقاءات مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، ومع قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة. وقد شكّلت هذه اللقاءات نقطة وصل بين المستويَين السياسي والعسكري في مقاربة تنفيذ الاتفاق، خصوصاً في ما يتعلّق بانتقاله من مرحلة الإقرار إلى التطبيق العملي التدريجي.

المداولات في قصر بعبدا عكست توجُّهاً رسمياً لبنانياً واضحاً نحو تثبيت معادلة السيادة الكاملة للدولة على كامل أراضيها، مع التركيز على دور الجيش كأداة تنفيذ وحصرية في فرض الأمن حتى الحدود الجنوبية الدولية. هذا التوجُّه لا يُقدَّم فقط كخيار سياسي، بل كإطار تأسيسي لإعادة بناء الاستقرار الداخلي على قاعدة احتكار الدولة للقوة.

الرئيس عون شدّد في هذا السياق، على أنّ الدولة «تعمل لدولة واحدة تحمي جميع اللبنانيّين وتحافظ على حقوقهم»، مع تأكيد أنّ الجيش هو الضامن الفعلي لوحدة الأمن الوطني. كما برز تأكيد إضافي على أنّ مسار التنفيذ يرتبط بتعاون مباشر مع الولايات المتحدة، التي تُظهر اهتماماً متزايداً بمتابعة تفاصيل المرحلة الانتقالية، سواء على مستوى الدعم التقني أو على مستوى الإشراف على آليات التطبيق.

الجيش في قلب اختبار التنفيذ

في اليرزة، شكّل لقاء هيكل مع كوبر محطة أساسية في رسم الإطار التنفيذي للمرحلة المقبلة. وقد تركّز البحث على آليات التنسيق العملياتي، وخصوصاً في ما يتعلّق بمتطلبات الانتشار، وإدارة المناطق التي يُفترض أن تُطبّق فيها المرحلة الأولى من الاتفاق.

ويعكس النقاش رهانات دولية على الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على لعب دور «الضامن الميداني» في مناطق حساسة، في وقت يُنظر فيه إلى التنفيذ على أنّه اختبار عملي لمدى قدرة الدولة على تحويل الالتزامات السياسية إلى وقائع أمنية قابلة للاستمرار.

كما يُربط نجاح هذا المسار بقدرة الجيش على إدارة بيئة أمنية معقّدة، تتداخل فيها اعتبارات محلية وإقليمية، ما يجعل من عملية الانتشار أكثر من مجرّد إجراء تقني، بل عملية إعادة هندسة للواقع الأمني في الجنوب.

بين الداخل والضغط الخارجي

لفتت مصادر ديبلوماسية غربية لـ«الجمهورية»، إلى أنّ نجاح هذا المسار لا يتوقف على الجانب العسكري فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة توازناتها الداخلية. فمسألة السلاح غير النظامي تبقى في صلب الاختبار السياسي والأمني، خصوصاً في المناطق الجنوبية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع البنية الاجتماعية والسياسية.

وتشير هذه المقاربة، إلى أنّ واشنطن تدفع باتجاه تثبيت الجيش كمرجعية تنفيذية وحيدة على الأرض، مع توفير دعم تدريجي يسمح له بتوسيع قدراته العملياتية. لكن هذا المسار يبقى مشروطاً بقدرة الداخل اللبناني على تجنّب الانزلاق نحو توترات سياسية قد تعيق التنفيذ.

البُعد الإقليمي وإعادة تشابك الملفات

في موازاة ذلك، تبرز زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المرتقبة إلى بيروت، كعامل إضافي يُعيد فتح ملفات التداخل الإقليمي المحيطة بالساحة اللبنانية. هذه الزيارة تعكس أنّ لبنان لا يزال يقع ضمن شبكة علاقات إقليمية معقّدة، حيث تتقاطع ملفات الأمن والحدود والنفوذ السياسي.

بذلك، يصبح المسار المرتبط بالاتفاق الإطاري جزءاً من مشهد أوسع يتجاوز الإطار اللبناني الداخلي، ليضع البلاد في قلب إعادة ترتيب إقليمي أوسع، لا يزال غير مستقر، وقابل لإعادة التشكّل وفق تطورات المرحلة المقبلة.

المفاوضات الأميركية - الإيرانية

على المستوى الدولي، تتّجه الأنظار إلى المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، بعد جولة تصعيد عسكري غير مسبوقة تركّزت في منطقة الخليج ومضيق هرمز. وعلى رغم من إعلان تهدئة موقتة، إلّا أنّ المؤشرات السياسية والعسكرية تعكس هشاشة الوضع واحتمال عودة التوتر في أي لحظة.

البيت الأبيض أعلن عن جولة محادثات جديدة ستُعقد في الدوحة، بمشاركة فريق أميركي يضمّ مستشارين بارزين من الدائرة المقرَّبة للرئيس الأميركي، في محاولة لإعادة تثبيت مسار التفاوض، بعد انهيار نسبي للثقة نتيجة تبادل الضربات بين الجانبَين. من جهتها، لم تؤكّد إيران رسمياً مستوى مشاركتها، لكنّها أبقت قنوات التواصل مفتوحة عبر وسطاء إقليميّين، خصوصاً قطر.

التصعيد الذي سبق هذه الجولة شمل عمليات متبادلة في الخليج، حيث استُهدفت سفن تجارية وأهداف عسكرية، ما أدّى إلى اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم، ما انعكس مباشرة على الأسواق العالمية، مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد النفطية.

وعلى رغم إعلان وقف إطلاق نار غير رسمي، فإنّ الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار اختبار القوّة بين الطرفَين، سواء عبر استهدافات محدودة أو عبر رسائل عسكرية محسوبة، ما يعكس أنّ التهدئة لا تزال هشّة وغير مضمونة الاستمرارية.

سياسياً، تتحرَّك واشنطن نحو صيغة اتفاق أشمل، يتجاوز وقف الأعمال القتالية، ليشمل ملفات أكثر تعقيداً، وفي مقدّمتها البرنامج النووي الإيراني، وهو ملف لا يزال يشكّل عقدة التفاوض الأساسية. في المقابل، تسعى طهران إلى الحفاظ على هامش نفوذها الإقليمي، وربط أي اتفاق بضمانات أمنية واقتصادية واضحة.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الجمهورية