كتب فادي عبود في ايكو وطن: خطة ترامب الإقتصادية: منطق إنقاذي رغم الجدل... وأين نحن في لبنان؟

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan

الكاتب : فادي عبود
Apr 04 25|20:28PM :نشر بتاريخ

كتب  الوزير الأسبق للسياحة والرئيس الأسبق لجمعية الصناعيين اللبنانيين فادي عبود في ايكو وطن:
سواء أحببت دونالد ترامب أو لم تفعل، لا يمكن إنكار أن خطته الاقتصادية التي طرحها مؤخرًا تتمتع بمنطق واضح وتوجه إنقاذي جريء، يأتي في لحظة حساسة تمرّ بها الولايات المتحدة، التي تواجه عجزًا ماليًا متناميًا ودينًا عاماً يتجاوز اربعة وثلاثين تريليون دولار، ما يُنذر بأزمة إن تُركت من دون معالجة.

ما يميز هذه الخطة هو وضوحها وارتكازها إلى ثلاثة محاور أساسية، تهدف إلى ضبط الإنفاق، تحفيز الإنتاج، وتشجيع الاستثمار. وهي لا تقتصر على عناوين شعبوية، بل تنطوي على قرارات صعبة تتطلب إرادة سياسية قوية.

أولاً: وقف الهدر وخفض الإنفاق العام بما يزيد عن تريليون دولار
تتضمن هذه الخطوة إيقاف البرامج غير المجدية، إعادة النظر في فعالية بعض الوزارات، التخلص من الوظائف غير الضرورية، وضبط الإنفاق على الضمان الاجتماعي. على سبيل المثال، اقترح ترامب إعادة هيكلة برامج الرعاية الصحية الفيدرالية (مثل Medicaid)، والحد من التوسع فيها بما يتناسب مع القدرة التمويلية الحقيقية والغاء وزارة التربية وغيرها . 

ثانياً: رفع الرسوم الجمركية
في خطوة قد يعتبرها البعض حمائية، يسعى ترامب من خلالها إلى تحقيق مداخيل إضافية، وتشجيع الصناعة المحلية عبر خلق بيئة تنافسية تُفضّل الإنتاج المحلي. وفعلاً، منذ ولايته الأولى، ارتفعت الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم بنسبة وصلت إلى خمسٍ وعشرين بالمئة، ما ساهم في عودة بعض المصانع إلى ولايات مثل أوهايو وبنسلفانيا، وخلق آلاف الوظائف في القطاع الصناعي، بعد سنوات من التراجع.
هذه السياسة ليست حكرًا على ترامب وتعتمدها الدول من مبدأ المعاملة بالمثل،  الصين، مثلاً، لطالما دعمت صناعتها المحلية  من خلال منح إعفاءات ضريبية وتوفير طاقة مدعومة للمصانع. فلماذا لا نتبنّى نحن مبدأ "المعاملة بالمثل"؟ ولماذا تُغرق أسواقنا ببضائع رخيصة مدعومة من الخارج بينما صناعاتنا المحلية تختنق؟

ثالثاً: تسهيل بيئة الأعمال
من خلال تقليص الإجراءات البيروقراطية وخفض الضرائب على الشركات والأفراد، تهدف الخطة إلى جعل الولايات المتحدة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار. خلال رئاسة ترامب الأولى، تم تقليص أكثر من ثمانمئة قاعدة تنظيمية فيدرالية، وتم تخفيض الضريبة على الشركات من خمس وثلاثين بالمئة إلى واحد وعشرين بالمئة. النتيجة؟ شهدت البلاد تدفّقًا كبيرًا للاستثمارات، وارتفعت نسبة التوظيف، خصوصًا في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
على النقيض، فإن المستثمر في لبنان لا يزال يواجه عشرات التواقيع للحصول على التراخيص ، ودوامة من المراجعات في الدوائر الرسمية التي تفتقر إلى الرقمنة، وتكثر فيها الرشاوى والمحسوبيات.

أين نحن في لبنان؟
لبنان، الذي يعاني من عجز اقتصادي خانق، ومن إفلاس غير معلن للمالية العامة، لم يجرؤ حتى اليوم على مقاربة جادة لمسألة تضخم القطاع العام أو وقف الهدر الفاضح في مؤسسات الدولة. وفقًا لتقارير البنك الدولي، فإن أكثر من خمسين بالمئة من الإنفاق العام في لبنان يذهب إلى أجور وتقديمات القطاع العام، وهي نسبة مرتفعة جدًا مقارنة بمعدل الدول المتوسطة الدخل.

في المقابل، لم تُبذل أي جهود فعلية لدمج الوزارات المتشابهة، أو لإلغاء المؤسسات التي باتت بلا وظيفة فعلية، مثل "مجلس الجنوب" أو "صندوق المهجرين"  وسكة الحديد  وغيرها ، التي تُستخدم غالبًا كأدوات تمويل للزبائنية السياسية.

وعلى صعيد الصناعة، لطالما طالبنا بحماية الإنتاج المحلي، وفرض رسوم على البضائع في الدول التي تقدم دعما  مباشرا ، لكن الصوت الرسمي بقي خافتًا، تحت حجج واهية عن "الانفتاح الاقتصادي"، الذي لم يجلب سوى الإغراق التجاري وتراجع الإنتاج الوطني. فمثلاً علينا ان ننافس مع بعض الدول العربية  مثل مصر مثلاً  والتي تبيع الكهرباء بحوالى ستة فاصل خمسة وأربعين سنتاً  للكيلووات بينما في لبنان ثلاثين سنتاً للكيلوات . 

أما البيروقراطية، فهي لا تزال الحاجز الأكبر أمام المستثمرين. يكفي أن نذكر أن إنشاء شركة في لبنان يستغرق بين خمسة عشر وثلاثين يومًا وبتكلفة مرتفعة جداً ، بينما لا يستغرق في دبي أو سنغافورة أكثر من أربع وعشرين ساعة.

خلاصة: هل من جرأة سياسية؟
الولايات المتحدة، باقتصادها الضخم والمتنوع، أدركت أن الفوضى في القطاع العام تشكّل خطرًا على ديمومتها المالية. فكيف لا يدرك لبنان ذلك وهو يتسوّل القروض والمساعدات؟
ما نحتاجه اليوم ليس مجرد شعارات أو ترقيع مالي، بل خطة واضحة وجريئة، كتلك التي يطرحها ترامب، سواء اتفقنا معها أم لا، فهي تمثّل منطقًا إنقاذيًا يستحق النقاش والتطبيق.

أما أن نبقى نعدّ موازنات هدفها "تحصيل قروش من هنا وهناك"، دون مقاربة جوهرية للهدر، أو تحفيز الإنتاج، فسنظل في حلقة مفرغة من الانهيار المزمن.

فهل يمتلك أحد في لبنان الجرأة لوضع خطة مماثلة؟ أم أننا سنبقى أسرى المحسوبيات والموازنات المحاسبية الضيقة، التي تحرص على ألا تُغضب أحدًا... ولو على حساب مستقبل وطن بأكمله؟

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan