أوركسترا الشباب للموسيقى الشرق - عربية تعزف زياد الرحباني

الرئيسية فن / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Feb 24 26|19:21PM :نشر بتاريخ

 تحت عنوان "جسور الهوية"، وبدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى - الكونسرفتوار المؤلفة الموسيقية هبة القواس، التقى الإبداع الشبابي بإلهام الإرث الرحباني، ليقدّموا للجمهور اللبناني أمسية موسيقية غنائية استثنائية كانت بمثابة تحية للراحل زياد الرحباني، قدمتها أوركسترا الشباب للموسيقى الشرق- عربية وكورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار بقيادة المايسترو فادي يعقوب.

احتشد جمهور الموسيقى في الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت، التي احتضنت الأمسية الاستعادية لزياد وحملت توقيع المايسترو فادي يعقوب إعداداً موسيقياً، وصياغةً وتوليفاً أوركسترالياً لبعض المقطوعات، وشارك بصياغة بعضها الآخر: جاد عزام، عبدالله المصري، مارك رياشي، فارس عبد العال، روي الناشف، وأليكس مسكيان. 

https://eccowatan.com/Filestorage/wl/?id=nZvxwORJFx8L6N3DWxYa0w7aEySe7T6h&fmode=openالقواس
افتتحت الأمسية رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس مرحبة بالحضور ومتمنية صوماً مباركاً في زمن التقى فيه الشهر الفضيل والصوم الكبير، وأعلنت أن المعهد ينظم أمسيات خاصة بهذه المناسبة. وأضافت القواس في إشارة إلى أوركسترا الشباب: "هذا هو مستقبل لبنان مع هؤلاء الشباب. أوركسترا الشباب تؤكد دائماً عند وجودها على المسرح أن الموسيقى في لبنان تتجه إلى مكان أفضل لأننا نرى مشاهد لم نكن نشاهدها سابقاً، ما يعني أننا في تطور أكاديمي وموسيقي. وهذا ينطبق على التأليف الموسيقي في شقّيه الشرقي التقليدي، واللبناني الذي يجمع روحه الشرقية ببعده العالمي. وأيضاً في قسم التأليف الذي استحدثناه هذا العام في الكونسرفتوار، والذي سنرى من خلاله مؤلفين شباب سيتم عزف مؤلفاتهم، كما ستكون أوركسترا الشباب السمفوني NYO بعد عدة أسابيع على المسرح. وسنكون في هذا الشهر الفضيل في أكثر من منطقة في لبنان لإقامة حفلات في هذه المناسبة".

وأضافت القواس: "اليوم برنامج خاص لأنه يتذكر شخصية لبنانية فريدة هو الصديق العزيز زياد الرحباني. عادة ما تذهب الأوركسترات الشرق عربية، في العمق إلى الريبيرتوار الشرقي الصعب الذي هو في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعض الأشكال والأصول التركيبية، وفي العادة يكون دور الأوركسترات الأكاديمية أن تؤدي هذه الأنماط الأكاديمية الصعبة وتكمل تواصلها مع الناس، ولكن لدينا أيضاً دور آخر وهو أن نقدم الريبيرتوار اللبناني الحديث، وهذا ما سيقدمه شبابنا الليلة من الموسيقى المعاصرة المبدعة والتي تحمل أسلوباً خاصاً". 

وتابعت: "وهنا أود أن أشكر المايسترو فادي يعقوب لعمله الدؤوب. من السهل أن يقف القائد على مسرح أو أثناء البروفة مع أوركسترا جاهزة تقنياً ويقود، مهارة الأوركسترا العالية تتطلب من القائد مهارة أعلى وإلا ينفضح أمام العازف، ولكن من ناحية أخرى هي أسهل بكثير لأن أي ملاحظة أو أي إشارة يعطيها يكون التجاوب فوري معها. أما عندما تكون هناك موهبة موسيقية ناشئة لم تتحل بعد بخبرة موسيقية يجب أن تتعلم أدق التفاصيل، فهنا الصعوبة. هذا يعني أن المايسترو لا يمرر فقط يديه في الهواء، وهي في الأساس حركة يقوم بأمور تقنية كثيرة من خلالها، منها أنه يعطي وقع الزمن وإشارات بالإحساس الموسيقي، ومن دون هذه اليد التي تتحرك، لا يستطيع الموسيقي متابعة النوطة التي يقرأها. مع النشأ في مرحلة ما قبل ذلك، هناك تعليم تقني وتفاصيل عليه التمكن منها. ما أقصده أن القائد الذي يعمل مع شباب وأوركسترا ناشئة مهمته أصعب بكثير، وعندما يصل إلى هذه النتيجة فهو يستحق تحية كبيرة، وهذه التحية للمايسترو فادي يعقوب. كما نشكر الأستاذة كاترين الغالي لتدريبها كورال القسم الشرقي في المعهد الذين أحييهم جميعاً. وختمت: "يجتمع في أمسيتنا الليلة على المسرح 140 عازفاً ومغنياً من تلاميذ وشباب المعهد الوطني العالي للموسيقى الذين يجسدون مستقبل لبنان، وفي هذا الشهر المبارك نتمنى أن تحل البركة عليهم وعلى لبنان".

وما إن أطلت أوركسترا الشباب للموسيقى الشرق-عربية على المسرح، حتى شعر الحضور بهيبة الموقف. 85 عازفاً وعازفة، يمثلون طاقة لبنان الكامنة، وقفوا خلف آلاتهم بتركيز وانضباط يضاهي كبريات الأوركسترات. لم تكن الكثرة هنا مجرد عدد، بل كانت تناغماً مدروساً، حيث تداخلت أوتار العود والقانون والكمان مع آلات النفخ والإيقاع لتشكل نسيجاً صوتياً غنياً.

وخلف الأوركسترا، وقف كورال القسم الشرقي المكوّن من 55 صوتاً، ليشكلوا معاً كتيبةً فنية من 140 شاباً وشابة تحت إشراف وتدريب كاترين غالي. أدى الكورال المقطوعات الصعبة بتوزيعات "بوليفونية" مركبة، أظهرت قدرة الأصوات البشرية على محاكاة الآلات الموسيقية في دقتها وعنفوانها.

برز المايسترو فادي يعقوب كعصب حيوي لهذه الأمسية، فهو لم يكتفِ بقيادة الأوركسترا بروح شغوفة ودقة متناهية، إنما كان هو صاحب الإعداد الموسيقي الكامل للبرنامج. ومما لا شك فيه أن مهمة إعداد موسيقى زياد الرحباني وتوزيعها لأوركسترا بهذا الحجم هي مغامرة تقنية كبرى، فموسيقى زياد تتسم بالسهل الممتنع، وبطبقات من الجاز الشرقي والهارموني غير التقليدي. نجح المايسترو في الحفاظ على هوية زياد "المتمردة" مع إضفاء طابع أوركسترالي فخم، جعل الألحان المألوفة تبدو وكأننا نسمعها بأذن مختلفة وبعمق جديد.

برنامج موسيقي تحية لقامة لا تتكرر، بدأ بمقطوعة "موسيقى ميس الريم" التي غلفت المكان بسحر الكلاسيكية الرحبانية. ثم انتقل العزف إلى محطات وجدانية واجتماعية من خلال مجموعة من الأغنيات الخالدة، منها: "شو هالأيام اللي وصلناها" التي لامست واقع الحضور بكلماتها التي لا تموت، وميدلي زياد الرحباني (رقم 1) الذي ضم روائع مثل "اسمع يا رضا"، و"الحالة تعبانة يا ليلى"، و"خايف كون عشقتك" و"أنا اللي عليك مشتاق" حيث تفاعل الجمهور مع الإيقاع المتهادي الذي يعكس فلسفة زياد في نقد الواقع.

"كيفك إنت" و"بلا ولا شي" هاتان الأغنيتان اللتان صبغتا حقبة كاملة بلون الحب المختلف، أداهما الكورال بتوزيع مميز أبرز جماليات اللحن الأصلي. و"عندي حنين" التي أضفت مسحة من الشجن النبيل على الأمسية. كما لم يغفل البرنامج الجذور، فقدم تحية للأخوين رحباني عبر أغنيات مثل "يا جسراً خشبياً" و"بتضلك سيفي مهما صار"، مؤكداً أن "جسور الهوية" تمتد من الماضي العريق لتصل إلى المستقبل الذي يمثله هؤلاء الشباب. كما شهدت الأمسية مشاركة الأصوات المنفردة (Solists) الذين تقاسموا الغناء مع الكورال، ممن أثبتوا أن مدرسة الكونسرفتوار لا تزال ولادة للمواهب التي تستحق الوقوف على أهم المسارح.



ضاقت الكنيسة بالحضور الذين لم يتوقفوا عن التصفيق وقوفاً بعد كل قطعة. وسادت حالة من الوحدة الشعورية، فالكل كان يغني بهمس مع الكورال، والكل كان يستذكر لحظات خاصة مرتبطة بهذه الألحان. هذا التفاعل أكد أن موسيقى زياد الرحباني هي لغة مشتركة تجمع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم.

وفي نهاية الأمسية، كان المشهد كفيلاً بتلخيص كل شيء: شباب لبناني مبدع، يقوده مايسترو مبدع وخلاق، يعزفون إرثاً وطنياً تحت رعاية صرح موسيقي تاريخي. فأكدت "جسور الهوية"، صوابية استراتيجية عمل تنتهجها د. هبة القواس والمعهد الوطني، للتأكيد على أن الثقافة هي ملهمة الشباب لمستقبل أكثر إشراقاً.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan