البسّام: عن الكرنتينا ...خافوا الله
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Mar 24 26|12:19PM :نشر بتاريخ
كتبت مريم البسام على صفحتها على فيسبوك:
إنْ نسمعْ بالكرنتينا، يعني أنْ ننتقلَ بالروحِ إلى مسقطِ الرأسِ والتكوينِ الأوّل، «حيِّ المسلخ».
فماذا تعرفون عن تلك الأحياء، أيّها السالخونَ سُكّانها، والذين حوّلتم المكانَ اسمًا على مُسمّى عند أوّلِ مفرقِ حربٍ، مع فارقٍ أنكم بدّلتم المواشي بالبشر؟
هناك، من حيثُ تحدُّنا الكرنتينا، صَدَرَت شهادةُ ميلادِنا على أيدي الداية «أمّ شوكات» التي تُنافس كبرياتِ مشافي المدن ،وكانت الصرخةُ الأولى للحياة.
في الكرنتينا، تعرّفنا إلى أوّلِ شتاءٍ وآخرِ صيف، وحفظنا أنّ لتشرينَ فرعين، ولكانونَ فعلَ الموقدةِ بجزأيه.
كانت أغنياتُ فيروز عند مصطبةِ بيتِنا تندلع بـ«سهرة حبّ»، ويتبارى الجيرانُ في تردادِ مسارِها، وإن كلّفهم الأمرُ الصعودَ إلى سطحِ البلدية للفوزِ بودِّ وردةِ الجوريّة.
من حبِّنا بالأرضِ البحرية، اعتقدنا أنّ جسرَ اللوزيّة قد مرّ من عندنا وامتدّ إلى نقطةِ الخضر التفافًا عن جسورٍ متراكمةٍ في المرفأ.
كان كلُّ شيءٍ جميلًا كطفولةٍ: صخبُ الأولاد، مراجيحُ الحيّ، حمّامُ البلدية، أمّ غطّاس في آخرِ الشارع، جيرانٌ في الحيّ الخلفيّ الذي يُسمّى «شرشبوك»، وبعضُ الجيرة صاروا قادةً وسادةً من أهلِ الخيرِ والخِيرة، ورموزَ الشهادة.
ماذا تعرفون عن الكرنتينا؟ وبعضُكم لا يذكرها إلّا كعدّادٍ في صندوقٍ انتخابيّ ، لو
" اندلعت " الانتخابات في أيار المقبل لعثرنا على فيالق ِماكينتهم الانتخابية وقد انتشرت عامودياً وأفقياً في محيط الرميل والجوار .
هل سمعتم دقّاتِ قلوبِنا في المطحنة ونحن ننتظر وقفَ الرصاصِ والقذائف؟
هل عانيتم حصارَ أهلِ المسلخِ لأسابيع؟
هل خُطِف أبناؤكم من أحضانِ أهاليهم ولم يعودوا إلى اليوم؟
هل وُضِعَ شبابُكم على الحيطان وتمّ رميُهم بالرصاص؟
ماذا تعرفون عن ضحايا المسلخ وعائلاتِهم من آل خلف، ومرعي، ومطر، والمحمد، والخطيب، ودياب، والخضري، وغيرها من أنبلِ الناسِ بفروعِهم الأولى؟
عربُ المسلخ، وافدون من الجنوب، أرمنٌ، أكرادٌ، فلسطينيّون؛ نتجاورُ المنازلَ الفقيرةَ دون السؤال عن الطائفة، وامتدادِها إلى شوارعِ النبعةِ وبرجِ حمّود.
بيوتٌ دافئةٌ وإن صُنِع بعضُها من الصفائحِ التنكيّة، حكايا الجدّاتِ المجدولةِ على حبالِ كذبٍ طويل.
مدرسةُ الكفاح التي تكافحُ للتعليم رغم العوز.
صبايا الأحياء اللواتي كنّ يسرقن الخطواتِ إلى «البلد» و«ساحةِ البرج» للتوغّلِ في أسواقٍ تفتلُ العقول.
مَن قال إنّ قاطنيها كانوا من شرائحِ التتار وقبائلِ السنتينليز، الحُرّاسِ المنعزلين لجزيرةِ نورث سينتينل، وقد اجتمعوا مع اليانومامي، محاربي غاباتِ الأمازون، ممّن يأكلون رمادَ أقربائِهم تكريمًا للأرواح، وتتلاقى عقائدُهم مع شعبِ الكورواي الذين يعيشون في بيوتٍ شجريّةٍ شاهقة، وكانوا سابقًا يأكلون لحومَ البشر كطقوسٍ روحانيّة؟
إنّ مجتمعاتِ الكرنتينا وفّرت للمدينة نموًّا صناعيًّا لم تمسّه لعناتُكم الطائفيّة. وكان روّادُه من عشائرِ عربِ المسلخ وتُجّارِ الماشية، والأرمنِ الفارّين من الإبادةِ الجماعيّة، الذين أحضروا معهم حرفتَهم ومهارتَهم في صناعةِ الجلودِ والنحاس، واستقرّوا في مساكنَ شرعيّةٍ امتدّت إلى برجِ حمّود والنبعة ، وبنوا أكبرَ معملٍ لطحنِ القمحِ في المدينة (مطحنةِ باكاليان).
وتقول المؤرّخة ديالا لطيف إنّ سكّانَ الكرنتينا شكّلوا حجرَ الأساسِ في البنيةِ التحتيّةِ للاستيرادِ والتصديرِ والغذاءِ في العاصمة. وبعبارةٍ أخرى، خلال تلك الحقبة، كانت الكرنتينا نافذةً على الحياةِ اليوميّة وظروفِ العمل لقوّةٍ عاملةٍ أساسيّةٍ ومتنوّعةٍ أبقت للمدينةِ عملَها.
هي سيرةُ أهالٍ عاشوا وماتوا هناك، أحبّوا الكرنتينا بكلّ متفرّعاتِها وأحيائِها وورودِ جدرانِها.
المدرسةُ وأوّلُ الحروف، وحيطانٌ من صخور، التصوينةُ ورائحةُ البحر، ولنا في الذكرياتِ حتّى ما يرتفعُ فوق مكبِّ نفايات.
ظلالُ أبي، فستانُ أمّي، أوّلُ تظاهراتِ غلاءِ المعيشة في شارعِنا الضيّق، ألعابُنا المصنّعةُ يدويًّا، وصوتُ فيروز يتسلّل كمئذنةٍ ترفع صلاة.
أطفالًا، لم نكن ندرك أنّ رائحةَ الورودِ هناك يُعَدُّ لمواجهتِها بثكناتِ البارود.
كان أخطرُ ما نسمعه هو اسمُ الحَجْر الصحّي لعزلِ المسافرين ومنعِ انتشارِ الأمراض في المدينة.
أعطى هذا الحجرُ اسمَه للمنطقة: الكرنتينا، أو «كوارانتينا»، أي أربعون يومًا باللغةِ الإيطاليّة.
ولم نكن ندرك أنّ العزلَ الصحّي سيصبح حجرًا عسكريًّا قبل أن يأخذ شكلَ المجزرة في كانونَ الثاني من العام 1976 عبر ميليشياتِ حرّاسِ الأرز، والكتائب، ونمورِ الأحرار.
وعقب المجزرةِ المروّعة، تمّ إنشاءُ مقرٍّ لميليشيا «القوّات اللبنانيّة» في الكرنتينا، وفيه أُطلقت النارُ على ما يقربُ من 2000 إلى 3000 شخصٍ ممّن بقوا على قيدِ الحياة بعد الاستجوابات، وأُلقوا في خنادقِ دفنٍ كبيرةٍ على مشارفِ الكرنتينا.
حصارٌ وخطفٌ وقتلٌ على الهويّات. عائلاتٌ مدنيّةٌ تحاول النزوحَ من حيِّ المسلخ، فيُطلق عليها الرصاص، ويحتفي المنتصرون برفع الكؤوس.
فإلى كلّ خائفٍ ومتوجّسٍ من مخيّمٍ يُشبه حيَّ المسلخ في الكرنتينا: خافوا من أنفسِكم، من أيدي آبائِكم وأجدادِكم التي ضغطت على الزناد وارتكبت أفظعَ مجازرِ التاريخ.
فليس من بين النازحين ما يُخيفكم، وهم، قبل طلوعِ ضوءِ وقفِ إطلاقِ النار، ستراهم عادوا إلى منازلَ على الركام وانقاض البيوت، عادوا الى خيام رفعوها على تراب ارضهم التي لا يبدلونها بكنوز المدن.
لا تخافوا من النازحين ،
إنّ ما يدعو إلى التوجّس والخوف وارتعادِ الفرائص هو أن يكون الماضي ما زال مستحكمًا في عقولِ البعض، وأن تراودَه الغرائزُ المبنيّةُ على عقيدةِ الإلغاءِ والتصفية.
واسألوا التاريخَ الحديث عن الحوضِ الخامس وفظائعِ الارتكاباتِ هناك.
اقرأوا في كتاب #روجينا_صنيفر
«ألقيتُ السلاح»، في بابِ فصلِه «قذفنا بهم إلى البحر»، عندما كشفت عمّا فعله أنصارُ الحكيم برجالِ إيلي حبيقة بعد الاتفاقِ الثلاثي، حيث «قتلوهم وربطوا أجسادَهم بالحجارةِ والصخور وأغرقوهم في البحر، إذ إنّ إبقاءهم في السجن بات أمرًا مُحرجًا».
ليست شعوبُ الكرنتينا مَن يجلبُ لكم الخوفَ والرهابَ الديموغرافيّ والطائفيّ وعوارضَ نقيِّ العظمِ السياسيّ.
كانت الكرنتينا وجهًا من وجوهِ العمّالِ والسكّان وحَمَلةِ البضائعِ على مرفأِ بيروت: عتّالون، وصناعيّون، وتُجّار، وأحبّاءُ حياة.
فخافوا من الجهاتِ التي فتكت وجزرت وخطفت وصفّت وشرّدت.
وما زلنا حتّى اليوم نبحثُ عن رقائقِ عظامِ مَن رحلوا تحت جسرِ شارل حلو وفي وديانِ الجبال التي اتّخذ بعضُها اسمَ «بوادي الجماجم».
خافوا الله
(في الصورة مدرسة الكفاح في الكرنتينا مع المربيين محمد الاسعد وعلي ابراهيم ويبدو في زاوية الصورة احد الطلاب الذي اصبح مُعَلِمّاً ومَعْلَمَاً)
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا