مضيق هرمز والقانون الدولي العام
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Apr 26 26|08:14AM :نشر بتاريخ
كتب الدكتور ناصر زيدان في صحيفة الخليج:
يشكل مضيق هرمز حجر الزاوية في تداعيات الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل وبين ايران، وهو كان أكبر عامل ضغط في سياق المعركة وفي الخبايا المُحيطة بالمباحثات الجارية للتسوية في اسلام آباد، رغم بقاء الملف النووي في صدارة الإهتمام، وقد تزايدت تأثيراته على مجرى المنازلة، بعد اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار مطبق على منافذ المضيق بالتوازي مع الاغلاق الذي فرضته ايران. وهناك أهداف غير مُعلنة للحرب بطبيعة الحال عند الفريقين، لا سيما حاجة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق انتصار يُفيده في الملف الداخلي الأميركي، وحاجة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لفرض هزيمة على ايران، يستثمرها في الانتخابات القادمة، وربما تُنقذه من مخاطر المحاكمة، وحاجة ايران لحفظ ماء الوجه في أي تسوية قد تحصل.
لكن المضيق الذي أقفل وسط حماوة المواجهة العسكرية؛ ليس منطقة ايرانية صافية، بل يحده من على ضفتيه الجنوبيتين أراضٍ عربية خالصة. والقوانيين الدولية صنفتهُ ممراً عالمياً تجري فيه الملاحة البحرية بدون قيود وفق اتفاقية أعالي البحار للعام 1982، وكل الأطراف المعنية وقَّعت على هذه الاتفاقية. ونصف مسافة عرض المضيق البالغة 33 كلم، تُعتبر مياهً إقليمية واقتصادية للدول التي تُشاطئهُ من الجنوب. والشروط الإيرانية بفرض السلطة على المضيق – كما جاء في ورقة المطالب المنشورة لإنهاء الحرب – او تقاسم النفوذ عليه مع الولايات المتحدة الأميركية؛ مقاربة غير مشروعة، ولا يجوز أن تمُرّ، مهما كانت نتائج الحرب، لأن ذلك يُعتبر اغتصاباً لحقوق الأخرين، وتعدٍ صارخ على الإنتظام الدولي العام.
يمرُّ عبر المضيق 20 بالمئة من حاجة الأسواق الدولية للنفط، ومثلها من حاجات هذه الأسواق للأسمدة الزراعية، بينما هو ضرورة للإقتصاد الإيراني الذي يصدِّر منه المنتجات النفطية والغاز الطبيعي، ويستورد غالبية حاجات البلاد الاستهلاكية، وكذلك بالنسبة لدول الخليج العربية، فهو شريان حيوي لإقتصاداتها ولحراكها التجاري.
الدول العربية الخليجية ليست شريكة في الحرب، ولكنها دفعت فاتورة غالية من ويلاتها، وتحمَّلت أكثر مما ينبغي من الخسائر، فالصواريخ الإيرانية استهدفت بعدوانها المنشآت الحيوية لهذه الدول، ومن دون أن يكون لها لا ناقة ولا جمل بما يجري، والغطاء الجوي الذي كان مُنتظراً أن يحمي هذه الدول انطلاقاً من القواعد العسكرية؛ لم يُقدِّم دفاعاً جدياً كما كان مأمولاً، وكما تنصّ عليه الاتفاقيات التي تنظِّم عمل هذه القواعد.
الصبر الاستراتيجي الذي مارسته الدول العربية المعنية، وعدم ردها على العدوان الذي طال أراضيها، انطلاقاً من مبدأ حفظ الجيرة، ولعدم دخول حرب كان لإسرائيل الباع الطولى في تفجيرها؛ لا يعني بأية حال أن هذه الدول عاجزة على الإطلاق، وهي لن تتنازل عن حقوقها السيادية، خصوصاً كونها شريكاً مُشاطئً لجوانب مضيق هرمز، ولن تقبل بإجراء أي تسويات تنتقص من حقوقها المشروعة، لكنها تلتزم بمندرجات القانون الدولي ذات الصلة. ودول أخرى كثيرة في العالم لها ذات الموقف المعارض لفرض أي رسوم على مرور السفن لكي تتقاسمها الدول الشريكة في الحرب، والاتحاد الأوروبي في طليعة الدول المعارضة، وهو أصدر بيان علني في هذا الخصوص. والأمم المحتدة تؤكد على ضرورة عدم الاخلال بالنظُم الدولية التي ترعى العبور في أعالي البحار مهما كانت المُبررات.
فرض هيمنة أمر واقع أُحادية الجانب على مضيق هرمز، او إخضاعه لتسويات جانبية بين أطراف لا تملك حق السيادة عليه، سيكون سابقة خطيرة جداً، وسيقضي على الانتظام الدولي في الممرات البحرية الأخرى. وعندها قد تسري هذه الفوضى أيضاً على مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق أوريسند في بحر البلطيق ومضيق ملقا في الشرق الأقصى، وصولاً الى حد فتح الباب أمام تهميش الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة، وهو ما قد يدفع السلطات التركية مثلاً للتحلُّل من معاهدة العام 1936 التي تنظم العبور الحر في قناتي البوسفور والدردنيل، وقد تمتد الفوضى الى وضع قيود استنسابية على المرور في قناة بنما التي تفصل بين الاميركيتين.
ماذا - افتراضياً - لو أقدمت الدول العربية المُشاطئة الى اقفال مضيق هرمز بوجه السفن الخارجة من ايران او القادمة الى موانئها؟ وهو افتراض يدفع أليه منطق المعاملة بالمثل، حيث السلطات الإيرانية أغلقت المضيق بوجه سفن هذه الدول، ولهذه الدول حق سيادي يشبه أو يزيد عن الحق السيادي الذي تمتلكه ايران. هذا الافتراض الذي يكلف تطبيقه أقل بكثير من تكلفة الجهد الإيراني لذات الغاية، نظراً لطبيعة التداوير والنتوءات الجغرافية؛ سيؤدي الى خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، وبمنسوب أكثر مما يصيب الدول العربية، ويكفي الإشارة الى أن 90 بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية تنطلق من جزيرة خرج وتمرُّ عبر المضيق. لكن هذه الدول مُتمسِّكة بالقانون الدولي وليست بوارد الإقدام على هذا الإجراء.
ان الحفاظ على الانتظام الدولي مصلحة وافرة لكل الأطراف، بمن فيهم ايران والولايات المتحدة الأميركية، أما المغامرات التي تتعارض مع هذا الانتظام؛ فقد تأتي بنتائج عكسية، ويمكن لها أن تُحدِث فوضى دولية هائلة يتضرَّر منها الجميع.
الحرب الخبيثة محطة لإستنتاج الدروس والعِبر، ولإعادة النظر بالمقاربات الخاطئة. والساحة العربية ليست مساحة مُباحة لدفع الفواتير، ولا هي منطقة تقاسُم مغانم لإصحاب الطموحات المُلتبِسة
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا