حين يرحل صوتُ النداء: أحمد قعبور وذاكرة لا تُغنّى

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Mar 26 26|20:49PM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:

لا يرحل بعض الفنانين كأفراد، بل كطبقات كاملة من الذاكرة. ومع رحيل أحمد قعبور، الذي توفي في بيروت يوم 26 مارس 2026 عن 71 عامًا، يخسر لبنان صوتًا لم يكن مجرد مغنٍ، بل صدى مرحلة، ومرآة وجدان، وامتدادًا حيًّا لأزمنةٍ كانت فيها الأغنية موقفًا لا مهنة.
وُلد في بيروت عام 1955 في بيئة قريبة من الموسيقى، إذ كان والده من أوائل عازفي الكمان في المدينة. درس في الكلية البطريركية والبر والإحسان، ثم تخرج من معهد الفنون الجميلة، ما أتاح له دمج الوجدان الموسيقي بالتكوين الأكاديمي الفني. هذا القرب المبكر من الفن لم يدفعه نحو النجومية السهلة، بل نحو مسار مختلف، يضع الأغنية في مواجهة الواقع لا في الهروب منه. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تبلورت ملامح هذا المسار بوضوح، فاختار أن يكون فنانًا منحازًا للناس، لا للمنصات.
في تلك السنوات القاسية، لم تكن الأغنية عند قعبور ترفًا، بل ضرورة وجود؛ وسيلة للتعبير، وللتماسك، وللنجاة المعنوية في وجه الانهيار. انخرط في العمل الثقافي والاجتماعي، وبدأت تتشكل لغته الفنية القائمة على الصدق والتكثيف، بعيدة عن الافتعال أو التزويق. ولم يكن صوته فقط ما يحمل الرسالة، بل حضوره المسرحي أيضًا؛ إذ أدرك أن الأغنية في زمن الانهيار تحتاج إلى جسد على خشبة، لا إلى صوت في موجات الأثير فقط. ساهم في مسرحيات أطفال مثل "شو صار بكفر منخار"، مجسدًا اتحاد الغناء والأداء، وموضحًا أن الفن عنده تجربة شاملة.
غير أن اللحظة المفصلية في مسيرته جاءت مع أغنية “أناديكم”، المستندة إلى كلمات الشاعر توفيق زياد. لم تكن هذه الأغنية مجرد نجاح فني، بل تحوّلت إلى نشيد وجداني عابر للحدود، يختزن صوت الإنسان العربي لحظة انكسار، ويعيد صياغته بلغة جماعية قادرة على الاستمرار. “أناديكم” لم تُغنَّ فقط، بل عاشت في الذاكرة، وتناقلتها الأجيال بوصفها تعبيرًا صادقًا عن التضامن مع القضية الفلسطينية، وعن قدرة الفن على أن يكون موقفًا أخلاقيًا.
وإن كان قعبور يُصنّف ضمن جيل الأغنية الملتزمة، فإن التزامه كان يسبقه الحزن، لا الشعار؛ كان صوته، بتلك الجرعة الفريدة من البحّة والدفء، هو الخطاب الأكثر إقناعًا. لم يسعَ إلى الانتشار السريع، ولا إلى السوق، بل ظلّ وفيًا لخطٍّ فنيٍّ واضح، يعبّر عن الوجع اللبناني، وعن الحلم العربي، وعن الإنسان البسيط الذي يبحث عن معنى في عالم مضطرب. وعلى امتداد مسيرته، لم يقتصر عطاؤه على الأغنية، بل امتد إلى المسرح، حيث جمع بين الأداء والغناء، مقدمًا نموذجًا للفنان الذي يجسّد ما يقول، لا يكتفي بترداده.
وفي السنوات الأخيرة، واجه المرض بصمتٍ وكرامة. أصيب بالسرطان، وخضع لعلاجات قاسية، غير أنه لم ينسحب من الحياة الفنية. استمر في الظهور، والغناء، واللقاء مع جمهوره. وفي إحدى الحفلات، حين فقد توازنه على المسرح، لكنه لم يغادر؛ بل أكمل الغناء جالسًا. لم يكن ذلك مشهدًا عابرًا، بل خلاصة مسيرة كاملة: فنان يصرّ على أن يبقى صوته حاضرًا، حتى في لحظات الضعف.
هذا الإصرار لم يكن استعراضًا، بل تعبيرًا عميقًا عن علاقة عضوية بين الفنان وفنه. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُكرَّم في بيروت قبل رحيله، بوصفه واحدًا من الأصوات التي شكّلت جزءًا من الذاكرة الثقافية اللبنانية.
رحيل أحمد قعبور لا يمكن قراءته كحدث فني عابر. إنه لحظة تستدعي تأمّلًا أوسع في معنى الفن اليوم. فمعه يغيب نموذج الفنان الذي يرى في الأغنية مسؤولية، لا مجرد إنتاج. يغيب صوتٌ لم يساوم على معناه، ولم يبدّل موقعه تبعًا للظروف. وفي زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتختلط فيه القيم، يبدو هذا الغياب أكثر ثقلًا.
لقد كانت تجربته تذكيرًا دائمًا بأن الأغنية يمكن أن تكون مساحة للصدق، وأن الفن قادر، في لحظاته الصافية، على أن يلامس ما هو أبعد من الترفيه. لم يكن صوته الأعلى، ولا الأكثر حضورًا في وسائل الإعلام، لكنه كان من تلك الأصوات التي تبقى، لأنها ارتبطت بما هو أعمق من اللحظة.
اليوم، ومع غيابه، يعود السؤال الذي رافق تجربته منذ بدايته: من يغنّي للإنسان؟ ليس بوصفه جمهورًا، بل بوصفه قيمة. من يكتب ويغني ليحفظ الذاكرة، لا ليملأ الفراغ؟
فبعض الأصوات لا تنتهي حين تصمت، بل تبدأ في التحوّل إلى ما يشبه النداء المستمر. وأحمد قعبور، الذي نادى يومًا، سيبقى صوته، في ذاكرة من سمعوه، نوعًا من النداء الذي لا ينقطع.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan