سامي مكارم: حين يتحوّل الفكر إلى مرآة للروح

الرئيسية ثقافة / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Apr 13 26|11:41AM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني والكاتب اللبناني فاروق غانم خدّاج: 

ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ جعل من فكره مرآةً لأسئلته، ومن سيرته تأويلاً لمعنى الوجود لا مجرد حكاية حياة. فالدكتور سامي مكارم لا يقف في سجلّ الفكر اللبناني بوصفه اسمًا، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا على المعنى، يتقدّم كلما حاولتَ الإمساك به خطوةً إلى الداخل، لا إلى الخارج.
ولد في بيئة لبنانية يتجاور فيها التاريخ مع الذاكرة، والجبل مع الرمز، وكأن المكان نفسه يدرّب أبناءه على التأمل قبل الكلام. ومنذ بداياته الأولى، لم يكن العلم عنده تراكمًا معرفيًا، بل بحثًا عن النظام الخفي الذي ينتظم العالم خلف الظواهر. كان يسأل لا ليجيب، بل ليجعل السؤال نفسه شكلًا من أشكال الفهم.
في الجامعة الأميركية في بيروت، لم يكن طالبًا عاديًا في الفلسفة والآداب، بل قارئًا يتعامل مع الفلسفة بوصفها تجربة داخلية لا مادة دراسية. هناك تشكّل ذلك الميل إلى تحويل المعرفة إلى أسئلة حيّة، لا إلى يقينٍ جاهز. ومن هذا التوتر بين العقل والبحث، وُلد مشروعه الفكري لاحقًا، حيث امتزج التاريخ بالتصوف، والفكر بالرمز، والمعنى بالتأويل.
غير أن التحول الأعمق في مسيرته لم يكن في التكوين الأكاديمي فقط، بل في انتقاله من المعرفة إلى طريقة في النظر. فهو حين يكتب التاريخ – كما في دراساته عن التوحيد الدرزي – لا يراه سلسلة أحداث، بل طبقات من الدلالة. وحين يقترب من التصوف، لا يتعامل معه كحالة وجدانية منفصلة، بل كمنظومة فكرية تكشف علاقة الإنسان بالمطلق، وبحدود معرفته في آنٍ واحد.
وهنا تتجلى ملامح مشروعه الفكري في مؤلفاته، حيث تتداخل القراءة التاريخية مع التأمل الروحي. من أبرز أعماله في هذا السياق: الدرزية: العقيدة والتاريخ، والحلاج: شهيد العشق الإلهي، والتصوف في الإسلام: قراءة تحليلية. وهي نصوص لا تقدم معرفة فقط، بل تفتح أبوابًا على طريقة مختلفة في التفكير، حيث يتحول البحث إلى تأمل، والتاريخ إلى معنى.
وقد انشغل خصوصًا بالفكر التوحيدي والدرزي، لكن لا بوصفه انغلاقًا هوياتيًا، بل بوصفه بنية فكرية قابلة للفهم والمقارنة. كان يسعى إلى قراءته من الداخل دون أن يسجنه في الداخل، وإلى وضعه في حوار مع التصوف الإسلامي والفلسفات الروحية الأخرى. وكأن مشروعه الضمني يقول: إن الإنسان واحد في قلقه، وإن الأشكال التاريخية ليست سوى وجوه متعددة لسؤال واحد.
غير أن ما يميّز مكارم أيضًا أنه لم يكن باحثًا أكاديميًا فحسب، بل كان في عمق حضوره معلّمًا بالمعنى الإنساني للكلمة. فالتعليم عنده لم يكن نقل معرفة، بل تدريبًا على رؤية العالم بطريقة مختلفة. من تتلمذ على يديه في الجامعة الأميركية في بيروت لم يخرج بمعلومات فحسب، بل بمنهج داخلي في التفكير، وبحسٍّ تأملي يجعل المعرفة طريقًا إلى الذات لا إلى الخارج.
وهنا تتجلى “المنطقة الثالثة” في شخصيته: ليست عقلًا صِرفًا، ولا حدسًا منفلتًا، بل مساحة يتجاور فيها الفهم مع التأمل. فيها يصبح الفكر أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على الإصغاء لما لا يُقال. وهذه السمة هي ما جعلت حضوره يتجاوز الأكاديمية إلى ما يشبه الإرشاد الفكري الهادئ.
وحين نقترب من أسلوبه في الكتابة، نجد نبرة تجمع بين الصرامة والهدوء. فهو لا يكتب ليبهر، بل ليكشف. ولا يرفع صوته في النص، بل يترك الفكرة تتكلم بصمتها الداخلي. لذلك تبدو كتاباته أقرب إلى تأمل طويل في بنية المعنى منها إلى خطاب مباشر، حيث اللغة وسيلة إضاءة لا وسيلة زينة.
أما في تعامله مع التصوف، فقد اتخذ موقفًا نقديًا معرفيًا، لا موقفًا تبجيليًا ولا إقصائيًا. فقد قرأ شخصيات مثل الحلاج ضمن سياقها التاريخي والفكري، محاولًا فهم التجربة الصوفية من الداخل، لا الاكتفاء بتقديسها أو نفيها. وهنا تظهر جرأته الفكرية: الاقتراب من مناطق اعتاد كثيرون تركها بين القداسة والغموض دون مساءلة.
ولا يمكن فهم مكارم خارج سياقه اللبناني. فلبنان في رؤيته ليس مجرد وطن، بل حالة فكرية معقدة، تتجاور فيها الهويات كما تتجاور الطبقات الجيولوجية في جبلٍ واحد. لكنه لم يرَ هذا التعدد فوضى، بل نصًا مفتوحًا على القراءة. وربما كان سؤاله الأعمق: كيف يمكن لجماعة أن تحافظ على سرّها الداخلي دون أن تنغلق، وأن تنفتح دون أن تذوب؟
إن القيمة الأعمق في فكر مكارم ليست في الإجابات التي قدّمها، بل في نوع الأسئلة التي تركها مفتوحة. فهو لا يمنح القارئ راحة اليقين، بل يدفعه إلى قلق الفهم، إلى منطقة التفكير التي لا تنتهي عند جواب.
وإذا أردنا أن نلخّص أثره في جملة واحدة، لقلنا إنه حاول أن يعيد وصل ما انقطع بين الإنسان ومعناه، بين النص والحياة، بين التاريخ والوعي. وهي مهمة لا ينهض بها الباحث وحده، بل يتقاطع فيها الفيلسوف مع المعلّم، والشاعر مع المؤرخ.
وهكذا يبقى سامي مكارم في الذاكرة الفكرية اللبنانية والعربية علامة على أن العمق لا يحتاج إلى صخب، وأن الفكر حين يكون أصيلًا يشبه نبعًا في جبل الشوف: قد يُخفى، لكنه لا ينقطع. وإن كان من خلاصة أخيرة، فهي أن الفكر الحقيقي لا يمنح أجوبة نهائية، بل يعلّم الإنسان كيف يعيش داخل السؤال دون أن ينهار، معلّمًا يظلّ عميقًا في أسئلته، لا جاهزًا في أجوبته.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan