ما بين بندقية خليل حاوي الصاخبة وجداري الصامت

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : عقبة زيدان
Apr 16 26|23:00PM :نشر بتاريخ


كتب عقبة زيدان في إيكو وطن

أثناء اجتياح العدو الإسرائيلي بيروت في الخامس من يونيو عام 1982، كان السلاح الوحيد الذي بين يديه هو بندقية صيد، ولكن فوهتها كانت موجهة نحو رأسه. وحين خرجت الطلقة، أحدثت أكبر استنكار للحرب، وإدانة للصمت العربي والعالمي ولكل قيم العدالة والحرية. 
هذه الطلقة التي فجّرت رأس خليل حاوي، أصابتني وفجرت آلاف الأسئلة في رأسي، وحفزتني على التفكير في جرأة شاعر جعلته المأساة غير قادر على تحمّل وجوده الفيزيولوجي في عالم يسير نحو إبادة نفسه. 
بالتأكيد، هو يمتلك جرأة لم أمتلكها في حياتي، إذ إنني، وأنا أتسمّر أمام شاشة التلفزيون في صباح من صباحات آذار من عام 2003، وإعلان الهجوم الجهنمي على بغداد بأقذر أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً وإنسانياً، شعرتُ بالعار والعجز والخوف، وبأن براثن الموت بدأت تلتفّ حولي روحي. ولأنني لم أكن بجرأة خليل حاوي (ولا أمتلك بندقية صيد)، فقد بدأت أضرب رأسي بالجدار آملاً في أن يتحطم، إلى أن سال الدم من جبهتي وتكورت على الأرض، بينما استمر القاتل الأميركي بحصد الأرواح في بلد قدّم للحضارة الإنسانية أجمل ما لديه. 
ولأنني جبان، فقد عالجتُ الجرح في رأسي ونظفت الجدار، أما خليل حاوي فلم يكن في مقدوره أن يعيد لملمة أشلاء رأسه التي تناثرت في شرفته، ثم ووري ما تبقى من جسده في حفرة عميقة، وصوته يملأ فضاء المكان: 
عمّق الحفرة يا حفّار 
عمّق القاع لا قرار
وبينما يخرج صوتي مشروخاً مستنكراً ما يجري في العالم العربي، كان خليل حاوي ينظر إلي بعيني صقر، ويخاطبني بصوت قوي وواضح وأنا أتكور على نفسي كمن يدفن جسده وعاره: 
أغمضتَ عينيكَ على رمادْ 
أغمضتَ عينيكَ على سوادْ 
تغور في أرض بلا سريرهْ
غصّاتكَ المريرهْ. 
أشعر بالعدمية، ويتعالى صوت نحيبي، وأنا أغمض عيني على رماد قرى ومدن، هجرها أصحابها، ولا يحملون معهم سوى ذكرياتهم وأطفالهم الذين لا يزالون على قيد الحياة.
*
قبل احتلال العراق بعام واحد، كتبت في روايتي (هيولى) العبارة الآتية: "أن تكونَ نبيلاً، يعني أنكَ مجنون". الجنون صفة ملازمة للنبالة في عالم متوحش يدفع بـ "الإنسان" خليل حاوي إلى ترك هذا العالم غير آسف عليه، حيث لا مكان للحوار فيه: 
كنا جداراً يلتقي جدارْ 
ما أوجع الحوارْ 
ما أوجع القطيعهْ 
تغص بالفجيعهْ 
ما أوجع الجوار. 
هذه القطيعة التي أدت إلى فجيعة بالنسبة إلى خليل حاوي، جعلته يحوّل أوجاعه إلى جسور تربط بين الناس أينما كانوا. كان شعره جسراً، حتى إنه كان مستعداً لأن يجعل جسده جسراً أيضاً، وذلك قبل أن تنطلق الطلقة الرهيبة، التي دوّت معلنة يأسه من الحوار: 
يعبرون الجسر في الصبح خفافاً 
أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ 
من كهوف الشرق من مستنقع الشرق 
إلى الشرق الجديد
أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ.
لم يعبروا إلى الشرق الجديد الذي حلم به حاوي، وانهار ما تبقى من جسور، وارتفعت الجدران أعلى مما كانت عليه قبل الطلقة القاتلة وقبل أن يلطَّخ الجدار بدمي. 
يا للفجيعة! فبعد رحيل خليل حاوي بأربعة وأربعين عاماً، وتحديداً في الثامن من أبريل من هذا العام، يعود العدو الإسرائيلي محملاً بتكنولوجيا هائلة، وبقدر كبير من الحقد، يفوق ما يمكن لأي إنسان أن يتخيله: تدمير ممنهج، قتل للأطفال وإبادة عرقية، ومجازر بالجملة وصمت عالمي لم يطلق حاكم  واحد ناراً  (ولو حتى كلامياً) على العدو، ولم يخجل أي سياسي في العالم من صمته عن المذابح الصهيونية التي تجري الآن في الجنوب اللبناني وفي بيروت والبقاع والضاحية الجنوبية ، تلك الـ "بيروت" التي وقف خليل حاوي ينظر إلى شوارعها من شرفته ويوجه البندقية إلى رأسه، مفعماً بالحزن ومدركاً بأن جسده لن يكون جسراً كما تمنى. 
وما بين بندقية خليل حاوي التي فجرت دماغه، وبين جداري الموشى بدمي، يتجلى فرق جوهري في الشجاعة والرفض والاستنكار، وحتى الجنون. فأنا لا أزال حياً، ولكنني كتلة من الألم والكآبة، مع شعور عميق بأنني شاهد صامت على ما يجري

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan