العفو إما أن يكون شاملا وعادلا ومتوازنا، وإما ألا يكون.
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
May 21 26|21:37PM :نشر بتاريخ
كتب محسن السقال في إيكو وطن :
هذا البلد، يبدو أننا نتقن صناعة الانقسامات أكثر من صناعة الحلول، فما إن يهدأ ملف حتى يفتح اخر يعيد اللبنانيين إلى الاصطفاف العمودي نفسه، بخطابات متشنجة وشعارات لا تنقذ وطنا ولا تطعم جائعا.
منذ سنوات، يطرح موضوع حصر السلاح بيد الدولة، فينقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض، وتبدأ حملات التحريض والتجييش، فيما تبقى النتيجة واحدة: لا حلول، لا دولة قوية، ولا استقرار حقيقي، بل مزيد من الانقسام والتعطيل.
واليوم عاد ملف العفو العام ليتحول بدوره إلى مادة خلاف جديدة، وكأن اللبنانيين محكومون دائما بأن يختلفوا حتى على القوانين الإنسانية والاجتماعية، فبدل أن يناقش بمنطق العدالة والمصلحة الوطنية، بدا وكأن كل فريق يريد عفوا “على قياس بيئته” السياسية والطائفية، لا قانونا يجمعهم ويحقق العدالة بين اللبنانيين.
بصراحة، لا يمكن اعتماد معايير مزدوجة، فإذا كان بعض الموقوفين الإسلاميين متهمين بالمشاركة في معارك ضد الجيش اللبناني وسقوط شهداء من المؤسسة العسكرية، فهل العملاء الذين تعاونوا مع العدو الإسرائيلي لم يشاركوا أيضا في قتل لبنانيين وعسكريين؟ وهل تجار المخدرات الذين خاض بعضهم مواجهات مع القوى الأمنية أقل خطرا، وهم الذين يدمرون مجتمعا كاملا ويشوهون صورة لبنان أمام الدول العربية والصديقة..
لذلك، فإن أي عفو لا يقوم على معايير وطنية عادلة ومتساوية، سيتحول حتما إلى مشروع فتنة إضافي، فالعفو إما أن يكون شاملا وعادلا ومتوازنا، وإما ألا يكون.
أما استخدام شعار “تخفيف اكتظاظ السجون” لتمرير تسويات تخص فئة دون أخرى، فليس إلا التفافا على الرأي العام ومحاولة لتجميل المصالح السياسية بثوب إنساني، وإعادة إنتاج للانقسام نفسه.
العفو إما أن يكون شاملا وعادلا ومتوازنا، وإما ألا يكون.
وإذا كان البعض فعلا حريصا على المؤسسة العسكرية، فكرامة الجيش ليست انتقائية، ودماء العسكريين لا تقاس بحسب هوية القاتل أو انتمائه السياسي والطائفي.
الجيش اللبناني هو المؤسسة التي يفترض أن تجمع اللبنانيين جميعا، لا أن يتحول إلى مادة للاستثمار السياسي والبزار الفئوي.
المؤسف أن البلد يغرق اقتصاديا واجتماعيا، فيما لا يزال بعض المسؤولين يبحثون عن الملفات التي تثير الغرائز والانقسامات بدل البحث عما يوحد اللبنانيين.
فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشروخ، بل إلى مشروع دولة حقيقي يبدأ بحصر السلاح بيد الدولة ووضع الجميع تحت سقف القانون، بعيدا عن الشعارات والمراوغات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.
لقد تعب اللبنانيون من الكذب السياسي ومن إدارة الأزمات بالعصبيات الطائفية، فالدول لا تبنى بالسلاح المتفلت ولا بالتسويات الموسمية، بل بقيام دولة عادلة قوية، يكون فيها الجيش وحده الحامي، والقانون وحده المرجع، والمواطن وحده الغاية.
وختاما، لبنان لم يكن يوما بلدا فقيرا بالقدرات ولا بالطاقات، بل كان ينظر إليه كواحد من أكثر بلدان المنطقة حيوية وانفتاحا. لكن غياب رجال الدولة الحقيقيين، وهيمنة المصالح الفئوية والطائفية، حولاه إلى ساحة نزاعات دائمة، يدفع ثمنها المواطن وحده، فيما يتقاسم معظم الحكام والمسيطرين على مفاصل الدولة الحصص والشعارات والانقسامات.
انتبهوا قبل فوات الاوان…
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا