الرابطة العربية للبحث العلمي تناقش أزمة مقاييس النشر العلمي
الرئيسية بحوث علمية / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
May 24 26|13:45PM :نشر بتاريخ
نظمت "الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال" محاضرة أكاديمية أونلاين للأستاذ الدكتور عماد بشير، عميد المكتبات في "الجامعة الأميركية في العراق – بغداد"، بعنوان "رؤى حول تأثيرات وحدود مقاييس النشر العلمي المعاصرة" (Insights into the impacts and limitations of current scholarly publishing metrics)، وذلك بمشاركة رئيسة الرابطة الأستاذة الدكتورة مي العبدالله، ونائب رئيسة الرابطة الأستاذ الدكتور هيثم قطب، إلى جانب ثلة من أساتذة الرابطة وطلاب الدراسات العليا والدكتوراه، حيث ناقشت المحاضرة التحولات العميقة التي يشهدها عالم النشر العلمي والتحديات المرتبطة بمقاييس التأثير الأكاديمي المعتمدة عالمياً، وسط تصاعد الجدل حول مدى قدرة هذه المؤشرات على قياس الجودة الحقيقية للأبحاث العلمية.
استهلّ الدكتور بشير محاضرته بالإشارة إلى التحوّل الجذري في الثقافة الأكاديمية العالمية، معتبراً أن مقولة "انشر أو اندثر" (Publish or Perish) لم تعد كافية في البيئة البحثية الراهنة، بل استُبدلت عملياً بمعادلة جديدة تقوم على "كن مرئياً أو اختفِ" (Be visible or vanish)، في إشارة إلى أن حضور الباحث وانتشار أبحاثه باتا عنصرين حاسمين في تقييم تأثيره العلمي، إلى جانب جودة المحتوى المنشور نفسه. كما استعرض العبارة الأساسية التي حملتها المحاضرة: "Be visible or vanish"، موضحاً أن المشهد الأكاديمي العالمي بات يركّز بصورة متزايدة على الظهور الرقمي ومدى انتشار الأبحاث وتأثيرها في الفضاء العلمي المفتوح.
وأوضح أن النقاش الدائر اليوم بين المختصّين في قياس الأثر البحثي يتمحور حول سؤال أساسي: هل ترتفع معدلات الاقتباس بسبب جودة البحث فعلاً، أم نتيجة ارتفاع مستوى ظهوره وانتشاره؟ كما لفت إلى أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المجال الأكاديمي قد يفرض مستقبلاً معايير جديدة أكثر تعقيداً لتقييم جودة الأبحاث العلمية، وربما يفتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم "الجودة البحثية" (Research Quality) نفسه.
وتوقفت المحاضرة عند مفهوم "الأثر البحثي"، حيث استعرض الدكتور بشير تعريف المفوضية الأوروبية (European Commission) الذي يعتبر أن أثر البحث يتمثل في أي تغيير أو منفعة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو صحية أو بيئية ناتجة عن النشاط العلمي. كما شدد على أن القيمة الحقيقية للبحث لا تُقاس فقط بعدد الاستشهادات الأكاديمية، بل بمدى انعكاسه على المجتمع والسياسات العامة وتحسين جودة الحياة، معتبراً أن "المنفعة" تبقى المعيار الأعمق لأي إنتاج علمي حقيقي.
وفي سياق تفصيل أدوات القياس، عرض الدكتور بشير أبرز مؤشرات تقييم الأبحاث المستخدمة عالمياً، مقسّماً إياها إلى ثلاثة مستويات رئيسية: مؤشرات تخص المقالات العلمية، وأخرى تقيس أداء المجلات الأكاديمية، وثالثة ترتبط بأداء الباحثين أنفسهم. وأوضح أن من أبرز هذه الأدوات "عامل التأثير" (Journal Impact Factor – JIF)، ومؤشر "إتش" (h-index)، ومؤشر "سايت سكور" (CiteScore)، إضافة إلى مقاييس أحدث مثل "نسبة الاستشهاد النسبي" (Relative Citation Ratio – RCR) التي طوّرتها المعاهد الوطنية للصحة (National Institutes of Health – NIH) لقياس أثر المقالات بشكل أكثر دقة مقارنة بنظيراتها في التخصص نفسه.
كما تناولت المحاضرة تاريخ تطور مقاييس النشر العلمي منذ سبعينيات القرن الماضي، بدءاً من إطلاق أول حسابات "عامل التأثير" للمجلات عام 1975، مروراً بابتكار مؤشر "إتش" عام 2005، وصولاً إلى صعود "الألتمتريكس" (Altmetrics) التي ترصد التفاعل مع الأبحاث عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. وأكد الدكتور بشير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تختزل القيمة العلمية الحقيقية للباحث أو المؤسسة الأكاديمية، خصوصاً في ظل اختلاف التخصصات العلمية وتفاوت طبيعة الاقتباسات بين حقل وآخر.
وأشار إلى أن المؤسسات العالمية الكبرى التي تتحكم بمنظومة قياس التأثير البحثي تشمل " إلسيفير" (Elsevier) المالكة لمنصة "سكوبس" (Scopus)، و"كلاريفيت" (Clarivate) المالكة لمنصة "ويب أوف ساينس" (Web of Science)، إضافة إلى "غوغل" (Google) عبر "غوغل سكولار" (Google Scholar)، و"ديجيتال ساينس" (Digital Science) التي تدير منصات "ألتمتريك" (Altmetric) و"دايمنشنز" (Dimensions). وبيّن أن هذه الجهات أصبحت تمتلك تأثيراً واسعاً على مسارات الترقيات الأكاديمية، وسياسات التمويل، والتصنيفات الجامعية عالمياً، ما يمنحها دوراً محورياً في رسم معايير النجاح الأكاديمي المعاصر.
وفي جانب نقدي من المحاضرة، حذّر الدكتور بشير من إساءة استخدام المقاييس البحثية، موضحاً أن بعض المؤشرات قد تتأثر بأخطاء تقنية أو بتضخم الاستشهادات الذاتية، كما أن ارتفاع عدد الاقتباسات لا يعني بالضرورة جودة البحث أو إيجابية التفاعل معه. كذلك أشار إلى أن بعض المجلات قد تستفيد من نشر المقالات المرجعية والمراجعات العلمية لرفع "عامل التأثير" بشكل مصطنع، ما يطرح إشكاليات تتعلق بعدالة التقييم الأكاديمي وصدقية التصنيفات العالمية.
وسلط الضوء على المبادرات العالمية الداعية إلى إصلاح منظومة تقييم الأبحاث، وفي مقدمتها "إعلان سان فرانسيسكو لتقييم الأبحاث" (San Francisco Declaration on Research Assessment) الذي يدعو إلى وقف الاعتماد المفرط على "عامل التأثير" في تقييم الباحثين، والتركيز بدلاً من ذلك على جودة المحتوى العلمي نفسه، إضافة إلى "بيان لايدن" (Leiden Manifesto) الذي يطالب بموازنة المؤشرات الكمية بالتقييمات النوعية والخبرة الأكاديمية المتخصصة، وعدم تحويل الأرقام إلى بديل عن التقييم العلمي الرصين.
وفي ختام المحاضرة، رجّح الدكتور بشير أن يشهد المستقبل تراجعاً تدريجياً لهيمنة "عامل التأثير" التقليدي، مقابل صعود نماذج تقييم أكثر شمولية تراعي الانفتاح العلمي والأثر المجتمعي والتفاعل الرقمي، مع تزايد اعتماد المؤسسات البحثية على السرديات التقييمية النوعية بدلاً من الأرقام المجردة وحدها. كما أكد أن مستقبل البحث العلمي يتجه نحو تقييم متعدد الأبعاد يوازن بين الجودة الأكاديمية والتأثير الواقعي والانفتاح على المجتمع، في ظل عالم أكاديمي يتغير بوتيرة متسارعة تحت تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
رابط المحاضرة كاملة على يوتيوب:
https://www.youtube.com/watch?v=xPVdvZG_dSE
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا