البناء: ترامب لـ48 ساعة لتثبيت وقف شامل والمقاومة ترفض معادلة «الضاحية والشمال»
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jun 03 26|06:45AM :نشر بتاريخ
بين مهلة الثماني والأربعين ساعة التي طلبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبين التهديدات الإيرانية بوقف التفاوض، وبين تعثر الجولة الأولى من التفاوض اللبناني الإسرائيلي، تتشكل صورة يوم سياسي وعسكري يؤكد أن المنطقة ما زالت بعيدة عن الاستقرار، وأن محاولات تحسين الشروط لا تزال حاكمة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
في الملف اللبناني، بدا واضحاً أن المبادرة الأميركية التي قامت على وقف جزئي للنار، عنوانه وقف استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت مقابل وقف العمليات التي تطال شمال فلسطين المحتلة، لم تنجح في الحصول على موافقة نهائية. فقد أكد مسؤولون في حزب الله أن أي وقف جزئي أو مرحلي غير مقبول، وأن المطلوب هو وقف شامل ودائم للاعتداءات الإسرائيلية على كامل الأراضي اللبنانية وليس فقط العاصمة وضاحيتها. كما نقلت مصادر متعددة أن الحزب رفض الفصل بين بيروت والجنوب أو بين الضاحية وسائر المناطق اللبنانية، وهذا ما دفع واشنطن إلى طلب مهلة إضافية من 48 ساعة لتثبيت صيغة أوسع يمكن تسويقها باعتبارها وقفاً للنار ملزماً للجميع.
في المقابل، لم يتراجع بنيامين نتنياهو عن التهديد باستهداف بيروت إذا استمرت عمليات حزب الله، لكنه اضطر عملياً إلى تجميد الضربة التي كانت مقرّرة بعد تدخل مباشر من ترامب. وقد أكدت تقارير أميركية وإسرائيلية أن الاتصال الهاتفي بين الرجلين كان حاسماً في وقف التصعيد، وأن ترامب اعتبر توسيع الحرب في لبنان تهديداً مباشراً لمسار التفاوض مع إيران.
أما التفاوض اللبناني الإسرائيلي الذي انعقدت جولته الخامسة في جلستها الأولى في واشنطن، فلم يحقق اختراقاً فعلياً في ملف وقف النار. فالهوة بين المواقف لا تزال واسعة، خصوصاً أن الواقعية والقدرة على ضمان التنفيذ جعلت الخطوط الحمراء لكل من إيران وحزب الله حاضرة على طاولة التفاوض، بينما بدت «إسرائيل» تريد الحفاظ على ما تسميه حرية العمل العسكري، بينما يطالب لبنان بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة. لذلك لم تظهر أي صيغة واقعية قابلة للتطبيق، رغم الضغوط الأميركية المكثفة على الطرفين. والهدف الأميركي يبدو واضحاً السعي إلى إنتاج إعلان سياسي يسمح لواشنطن بالقول إن التهدئة تشمل لبنان أيضاً، بما يخفف من الضغوط الإيرانية على مسار التفاوض الأميركي الإيراني.
في الملف الإيراني، تبدو الوقائع أكثر وضوحاً مما كانت عليه قبل أيام. فالثابت والمؤكد حسب مصادر متعدّدة وموثقة، أن طهران أبلغت واشنطن أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزة يهدد المفاوضات، ثم ذهبت إلى تعليق الاتصالات بالفعل بعد تهديد بيروت والتوسع العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني. وقد أكدت مصادر أميركية وإيرانية متقاطعة أن إيران ربطت استمرار التفاوض بوقف التصعيد على كل الجبهات وليس في إيران فقط.
أما ما تردد عن تهديد إيراني بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، فهو ليس أمراً مستبعداً من الناحية السياسية وفقاً للمصادر الغربية، وقد جرى تداوله مراراً في النقاشات الغربية خلال الأشهر الماضية، لكن لا توجد حتى الآن معطيات موثقة تؤكد أن هذا التهديد كان جزءاً من الرسالة الأخيرة التي وصلت إلى ترامب. والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن فرضية إعلان إيران امتلاك سلاح نووي أو إجراء تفجير نووي خلال فترة زمنية محددة، إذ لم تظهر أي مصادر أميركية أو باكستانية موثوقة تؤكد وجود مثل هذا الإنذار المباشر، بينما لا يزال الكلام الإيراني يدور تحت عنوان فتوى تحريم امتلاك أي سلاح نووي. لكن ما ثبت بالفعل هو أن إيران لوّحت بتغيير قواعد الاشتباك بالكامل إذا عادت الحرب الشاملة، وأن مسؤولين إيرانيين تحدثوا عن أن طبيعة العمليات والأسلحة والجغرافيا ستكون مختلفة إذا فشلت الدبلوماسية وعادت المواجهة العسكرية. كما أن تقارير أميركية عديدة ربطت مباشرة بين تراجع ترامب عن منح الضوء الأخضر لضرب بيروت وبين خشية الإدارة الأميركية من انهيار المفاوضات مع إيران.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من وقائع اليوم (أمس) هي أن واشنطن تحتاج إلى وقف نار شامل في لبنان أكثر مما تحتاجه «إسرائيل»، وأن إيران نجحت في فرض الربط بين الجبهة اللبنانية ومسار التفاوض النووي والسياسي، بينما لم تتمكن «إسرائيل» حتى الآن من انتزاع موافقة أميركية على الانتقال إلى مستوى أعلى من التصعيد. لذلك تبدو مهلة الثماني والأربعين ساعة التي طلبها ترامب محاولة أخيرة لإنقاذ مسارين في وقت واحد، التفاوض مع إيران، والتفاوض اللبناني الإسرائيلي، ومنع تحولهما معاً إلى ضحية جديدة للحرب.
تحولت المفاوضات الجارية بين لبنان و»إسرائيل» في واشنطن محطة مفصلية تتجاوز حدود الجنوب اللبناني لتلامس مجمل التوازنات الإقليمية التي يجري العمل على إعادة رسمها. فبينما تتواصل العمليات العسكرية والغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، وتتسع دائرة الدمار والنزوح والخسائر البشرية، تدور في العاصمة الأميركية مفاوضات دقيقة تحاول من خلالها واشنطن الانتقال من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة تثبيت ترتيبات أكثر استقراراً على الجبهة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يترقب لبنان الرسمي والسياسي والشعبي ما يمكن أن تسفر عنه الجولة الرابعة من المفاوضات، وسط أجواء متناقضة تجمع بين التفاؤل الحذر الذي تعكسه بعض التسريبات الإسرائيلية وبين الحذر اللبناني الناتج عن التجارب السابقة مع «إسرائيل»، والتي غالباً ما كانت تقرن التفاوض باستمرار الضغوط العسكريّة على الأرض. فالتسريبات الواردة من الجانب الإسرائيلي تتحدّث عن تقدّم في النقاشات وعن توافقات آخذة بالتبلور، فيما تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام التوصل إلى اتفاق نهائي أو إلى تفاهم شامل قادر على إنهاء حالة المواجهة المفتوحة. وتحمل المفاوضات الحالية أهمية استثنائية لأنها تتناول جوهر الأزمة القائمة منذ أشهر، أي مستقبل وقف إطلاق النار وشروط تثبيته وآليات تطبيقه. فلبنان دخل هذه الجولة بموقف واضح يقوم على أولوية التوصل إلى وقف شامل وكامل لإطلاق النار على جميع الأراضي اللبنانية، باعتبار أن أي معالجة للملفات الأخرى تبقى ناقصة ما لم تتوافر أولاً الضمانة الأساسية المتمثلة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية بصورة نهائية. ومن هذا المنطلق يربط الجانب اللبناني بين تثبيت الهدنة وبين معالجة القضايا المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وإطلاق عملية إعادة الإعمار، انطلاقاً من قناعة بأن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا عبر ترتيبات جزئية أو مؤقتة.
في المقابل، تبدو «إسرائيل» تريد الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية، وهو ما يظهر في المواقف التي نُقلت عن مسؤولين إسرائيليين خلال الأيام الأخيرة. فبينما تتحدّث بعض المصادر عن تقدّم في المفاوضات ورغبة أميركية في احتواء التصعيد، يتحدث الإعلام الإسرائيلي عن أن تل أبيب ليست في وارد الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية، وأنها ستواصل عملياتها العسكرية وفق ما تراه ضرورياً لحماية مصالحها الأمنية.
أما الولايات المتحدة فتبدو أكثر الأطراف اندفاعاً نحو تحقيق اختراق في هذا الملف. فالإدارة الأميركية، بحسب مصادر أميركية، تدرك أن استمرار المواجهة على الحدود يهدد الجهود الأوسع التي تبذلها لخفض التوتر في المنطقة، كما يهدّد بإشعال مواجهة إقليمية يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها. ومن هنا يمكن فهم الحراك الأميركي المكثف والضغوط التي تُمارس على مختلف الأطراف من أجل الوصول إلى صيغة تضمن تثبيت وقف إطلاق النار وتحويل التهدئة الهشة القائمة حالياً إلى واقع أكثر رسوخاً واستقراراً.
تكتسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أهمية خاصة في هذا الإطار، إذ تعكس محاولة واشنطن بناء تفاهمات غير مباشرة مع حزب الله عبر الدولة اللبنانية ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فالإشارات الأميركية إلى تلقي رسائل تفيد بأن الحزب لن يبادر إلى مهاجمة «إسرائيل» ما لم تُستهدف بيروت، تعكس سعياً إلى بلورة قواعد اشتباك جديدة.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مصدر إسرائيلي قوله إن مقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخشون أن تفرض الولايات المتحدة قيوداً على النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان.
أما في لبنان، فنقلت رئاسة الجمهورية إلى حزب الله، عبر أكثر من قناة، مضمون المقترح الذي حمله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، واستطلعت موقفه منه، من دون أن يبادر الحزب إلى تقديم أي تعهد خطي أو شفهي بشأنه. إلا أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبلغ الجانب الأميركي أن بإمكانه ضمان التزام حزب الله بأي تفاهم في حال التزمت «إسرائيل» بتنفيذ موجباته، وهو موقف قرأت فيه دوائر بعبدا مؤشراً إيجابياً وتعاملت معه بوصفه أرضية يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.
وأكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أنّ «القوة ليست في خوض الحرب، بل في التمتع بالشجاعة والحكمة لإنهاء الحرب بالتفاوض لمصلحة البلد التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». ولفت أمام وفد نقباء المهن الحرة إلى «أننا حريصون على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان، ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدّد بقاء لبنان لأن كل من يغذّيها يقدّم خدمة لـ»إسرائيل»».
وتلقى رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالاً من رئيس مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية محمد باقر قاليباف، تناولا خلاله تطورات الأوضاع في لبنان على ضوء تصعيد «إسرائيل» عدوانها، مترافقاً مع سياسة التهجير الجماعي والقسري لسكان الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والسبل الآيلة لوقف العدوان.
وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن المفاوضات هي «الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، وأن الطريق إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهالي الجنوب إلى مدنهم وقراهم تصبح أقصر كلما توحّدت الجهود تحت سقف الدولة. إلى ذلك يتمسّك حزب الله، وفق مصادره، بموقف يرفض أي مقاربة تقوم على التهدئة الجزئية أو على تبادل الضمانات الموضعية بين الضاحية الجنوبية ومستوطنات الشمال. فالحزب يعتبر أن أي اتفاق يجب أن ينطلق من مبدأ وقف شامل وواضح لإطلاق النار، وأنه لا يمكن القبول بمعادلات ميدانية مؤقتة أو ترتيبات محدودة جغرافياً لا تعالج أصل المشكلة. ويعكس هذا الموقف إدراكاً لدى الحزب بأن أي صيغة ناقصة قد تتحول لاحقاً إلى أداة ضغط سياسية أو أمنية تستخدمها إسرائيل في مراحل لاحقة.
وقال نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في حديث إعلامي، إن «معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمرّ»، مؤكداً أن الحزب أبلغ المعنيين رفضه لهذه المعادلة. وأضاف أن الحزب وافق على «وقف إطلاق نار حقيقي وشامل»، محذراً من أن أي قصف للضاحية الجنوبية سيُقابل برد يستهدف مواقع أعمق من مستوطنات الشمال. وفي موازاة الحراك الأميركي، تبرز أيضاً أدوار إقليمية ودولية متعددة تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث. فالتحرك القطري المستمر، حيث بدأ المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل بلقاءاته في العاصمة القطرية الدوحة موفداً من الرئيس نبيه بري، مستهلاً هذه اللقاءات في وزارة الخارجية القطرية مع محمد بن عبد العزيز الخليفي. ثم عرض على رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني المستجدات والجهود المبذولة لخفض التصعيد والتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار. ونقل خليل إلى رئيس الوزراء القطري شكر الرئيس بري لقطر أميراً وحكومة وشعباً لوقوفهم الدائم إلى جانب لبنان ومؤازرته في شتى الميادين والتقدير للجهود، التي تبذلها الدوحة في سبيل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار بين لبنان و»إسرائيل»، إضافة إلى ما تقوم به على الدوام لتوفير الاستقرار في الداخل اللبناني وإعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي على لبنان.
شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على «ضرورة» الإبقاء على وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء مهمة حفظ السلام الحالية (يونيفيل) في آخر 2026، وذلك في تقرير قدّمه الإثنين إلى مجلس الأمن الدولي. وجاء في التقرير «وفقاً لكل الخيارات المقترحة، سيكون وجود عسكريين أمميين لتسهيل خفض التصعيد والحوار والارتباط والتنسيق، ولدعم القوات المسلّحة اللبنانية، ضرورياً بوصفه مكمّلاً لدور سياسي معزَّز لممثل الأمم المتحدة في لبنان». وتابع «ستواصل الأمم المتحدة، بصفتها الحارس المؤقت للخط الأزرق (الخط الذي يرسم حدوداً فعلية بين لبنان و»إسرائيل»)، أداء دور حيوي لمراقبة الخط الأزرق بشكل محايد وضمان الحفاظ عليه». واقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في التقرير الذي قدّمه بناء لطلب مجلس الأمن، ثلاثة خيارات تتراوح بين نحو 2000 إلى أكثر من 5500 عسكري أممي لإتاحة مراقبة وقف إطلاق النار ودعم القوات المسلّحة اللبنانية. وأشار غوتيريش إلى أن الخيار المنطوي على نشر العدد الأكبر من العسكريين من شأنه أن يتيح مراقبة «بأعلى درجة مصداقية» للخط الأزرق الممتد بطول 120 كيلومتراً.
ويعقد مجلس الوزراء، الثالثة من بعد ظهر غد الخميس، جلسة في السرايا الحكومية لمتابعة البحث في المستجدات السياسية والأمنية والإنسانية، إضافة إلى البحث في بنود عادية ومنتظمة وشؤون وظيفية.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا