الأنباء: اتفاق "الفرصة الأخيرة" يطلق مساراً جديداً… ترامب: تحدثت مع الحزب وأحرزنا تقدّماً
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jun 05 26|06:27AM :نشر بتاريخ
دخل لبنان منعطفاً سياسياً مصيرياً وقاسياً عقب إعلان الخارجية الأميركية، فجر أمس الخميس، عن تفاصيل اتفاق الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ليخرج عن الوزارة اتفاقٌ وُصف بأنه خطوة متقدمة على طريق معالجة الملفات العالقة بين الجانبين، لكنه يحمل في طياته بنوداً قد تضع سيادة البلاد على المحك وتفتح الباب واسعاً أمام الأسئلة والاعتراضات حول قدرته الفعلية على حماية المصالح اللبنانية والسيادة الوطنية.
ويتضح من القراءة التحليلية الأولية لبنود التفاهم وما رافقه من مواقف دولية وإقليمية، أن هذا الاتفاق يُعد مدخلاً إيجابياً يمهد لتحرير الأرض وفرض وقف كامل لإطلاق النار، وعودة النازحين، على الرغم من أنه يفرض التزامات صارمة على الجانب اللبناني لجهة إخلاء جنوب الليطاني من السلاح، في حين لا يُلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها المتواصلة، كما لم يلحظ جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحت الاحتلال أو السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما قد يمنح تل أبيب غطاءً غير مباشر لمواصلة انتهاكاتها تحت ذرائع أمنية. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو النتائج أقل بكثير من التطلعات اللبنانية الرسمية والشعبية التي تنظر الى المفاوضات كواحدة من الفرص التي توفر ضمانات أمنية وسيادية واضحة تضع حداً لدوامة التصعيد المستمرة منذ أشهر.
كما يطرح السؤال حول فعالية المناطق التجريبية التي تضع الجيش اللبناني في موقع الاختبار الوطني بين تنفيذه قرارات الحكومة اللبنانية، وقدرته الفعلية على بسط سلطته في الميدان بين الاحتلال الإسرائيلي المراقب من جهة و"حزب الله" المشكك والرافض من جهة أخرى، ومن خلفهما الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
كلام الرئيس عون:
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وصف الاتفاق بأنه "الفرصة الأخيرة" للبلاد، معتبراً أن خيار التفاوض كان الممر الأقل كلفة لمنع الانزلاق نحو الفتنة الشاملة وتفكك المؤسسات. كما شدد على أولوية تثبيت السيادة واستكمال الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ القرارات الدولية كاملة، مؤكداً تمسك لبنان بحقوقه الوطنية ورفض أي مساس بسيادته أو فرض وقائع جديدة على الأرض. ومن السراي الحكومي أكد رئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء، التمسك بالشرعية، مشدداً على أن "المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة، وأن عودة الأهل إلى الجنوب لن تكتمل إلا بالتوحد تحت سقف الدولة". ورأى أن أي تفاهم لا يكتمل من دون وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام الحدود المعترف بها دولياً.
كما عكست المواقف الصادرة عن البعثة اللبنانية في واشنطن حرصاً على البناء على ما تحقق دبلوماسياً مع الإصرار على استكمال المسار التفاوضي بما يحفظ الحقوق اللبنانية كاملة، فاعتبرت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض، أن مخرجات جولة واشنطن تجسد قرار الدولة اللبنانية المستقل والسيادي في استعادة المبادرة.
موقف "حزب الله"
في المقابل، قوبل الاتفاق الشامل برفض من "حزب الله" الذي اعتبر أن أي ترتيبات لا تضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة تبقى غير قابلة للقبول، مؤكداً تمسكه بما يصفه بحق لبنان في الدفاع عن نفسه ومواجهة الاحتلال. كما أبدى الحزب تحفظات على البنود المتعلقة بحصرية السلاح وانتشار الجيش اللبناني في بعض المناطق، معتبراً أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم ضمن مقاربة وطنية شاملة تحافظ على عناصر القوة اللبنانية.
من تل أبيب إلى واشنطن
في المقابل، تعاملت إسرائيل مع الاتفاق باعتباره إنجازاً أمنياً وسياسياً يكرّس مقاربتها القائمة على الفصل بين المسار التفاوضي وحرية عملها العسكري، على الرغم من اعتراض المعارضة والوزراء المتطرّفين كالوزير ايتمار بن غفير الذي وصفه بالخطأ الكبير. فيما تركز اهتمام سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل لايتر، على بند إخراج إيران من المعادلة ونزع سلاح "حزب الله".
وأظهرت الإدارة الأميركية، عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو، دعمها للاتفاق بوصفه خطوة أساسية لتعزيز أمن إسرائيل واستعادة سيادة لبنان، واعتماد خيار التفاوض التدريجي باعتباره المسار الوحيد القادر على منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة في المنطقة، حتى وإن بقي الكثير من الملفات الجوهرية معلّقاً بانتظار الجولة المقبلة التي تُعقد في 22 حزيران الجاري.
بدوره، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاتفاق قائلاً: "لقد تحدثت مع حزب الله بشأن أن ينعم لبنان ببعض السلام"، مضيفاً: "أعتقد أن هناك تقدماً سيُحرز.
تعليق إيران
غير أن الحدث لم يبقَ محصوراً في إطاره اللبناني ـ الإسرائيلي، اذ جاء الرد الإيراني الصادر عن الحرس الثوري متناغماً مع موقف "حزب الله" في الرفض المطلق للاتفاق؛ ولأي ترتيبات يمكن أن تفضي إلى تكريس حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية أو إبعاد لبنان عن ساحات الصراع الإقليمي، بحيث أصر الطرفان على إبقاء لبنان محوراً متقدماً للمواجهات الخارجية، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول مستقبل مشروع الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها واحتكار القرارين الأمني والعسكري وفقاً للدستور واتفاق الطائف والقرارات الدولية.
لودريان ينقل دعم ماكرون
وفي موازاة ذلك، اكتسبت زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان إلى بيروت أهمية خاصة من خلال لقاءاته مع الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين، وبرز الدعم الفرنسي لاستمرار المسار الدبلوماسي وتثبيت الاستقرار، مع التشديد على ضرورة استكمال تنفيذ الالتزامات الدولية وحماية المؤسسات اللبنانية ودعم مشروع الدولة.
الجيش الإسرائيلي يخرج من دبّين
ميدانياً، وفيما لم ينجح الاتفاق الشامل في وقف المواجهات والاعتداءات، حيث سقط أكثر من 10 شهداء، ما استدعى إدانة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي استنكر في اتصال مع الرئيس جوزاف عون استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، كان لافتاً خروج القوات الإسرائيلية من بلدة دبّين في قضاء مرجعيون. وقد أعقب ذلك دخول وحدات من الجيش اللبناني إلى البلدة وانتشارها فيها وتثبيت مواقعها.
بين واشنطن وطهران
كل ذلك يجري على وقع تجاذبات إقليمية متصاعدة تتصل بمصير المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي تشهد تجاذبات حادة وحالة من "اللاحرب واللاسلم"، وتتأرجح بين احتمالات التقدم والتعثر. فنجاح هذه المفاوضات أو فشلها لن ينعكسا على الملف النووي الإيراني فحسب، إذ تحاول طهران استخدام الأوراق الميدانية في وعاء التفاوض، ليترك تأثيراته المباشرة على ساحات المنطقة كافة، وفي مقدمها لبنان الذي يقف عند تقاطع المصالح الدولية والإقليمية الكبرى، باعتباره صندوق بريد مفتوحاً على كل الاحتمالات.
بين ما تحقق في واشنطن وما لم يتحقق، يبدأ اليوم اختبار النيات. فإما أن يتحول الاتفاق إلى مدخل لاستعادة الدولة سيادتها الكاملة وإنهاء الاحتلال والاعتداءات، وإما أن يبقى مجرد محطة تفاوضية جديدة تضاف إلى سجل طويل من التفاهمات غير المكتملة في منطقة لا تزال تحكمها موازين القوة أكثر مما تحكمها النصوص والاتفاقات.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا