الأنباء: ترامب وبزشكيان يوقّعان مذكرة التفاهم… وإسرائيل تضغط للإبقاء على قواتها وحرية عملياتها في لبنان

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 18 26|07:27AM :نشر بتاريخ


لم ينتظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب موعد الجمعة، فاختار أن يوقّع مذكرة التفاهم مع إيران عن بُعد من قصر فرساي، خلال مأدبة عشاء أقامها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته على شرفه قبيل مغادرته فرنسا بعد يومين من الاجتماعات المكثفة ضمن فعاليات قمة مجموعة السبع. وفي الوقت نفسه، وقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المذكرة في طهران، فيما نشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إيرنا" صور التوقيع، لتدخل العلاقات الأميركية – الإيرانية مرحلة جديدة عنوانها وقف الحرب وفتح باب التفاوض.

المذكرة المؤلفة من أربعة عشر بنداً لا تشكل اتفاقاً نهائياً، بل إطاراً انتقالياً يرسم معالم تسوية يجري التفاوض على تفاصيلها خلال مهلة ستين يوماً قابلة للتمديد. إلا أن ما ورد فيها كفيل بإحداث تحولات كبيرة على مستوى المنطقة، وخصوصاً في لبنان الذي حضر اسمه بشكل واضح في البند الأول الذي نص على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، مع التأكيد على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها.

وتضمنت المذكرة التزاماً أميركياً بالبدء فوراً برفع الحصار البحري عن إيران وإنهائه خلال ثلاثين يوماً، مقابل ضمان إيران حرية الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز وإعادة الحركة البحرية تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب. كما نصت على إطلاق خطة لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار بمشاركة شركاء إقليميين، ورفع العقوبات الأميركية والدولية عن طهران وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه خلال المفاوضات المقبلة.

وفي الملف النووي، أعادت إيران التأكيد على عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، فيما اتفق الطرفان على معالجة قضية المواد المخصبة ومستقبل التخصيب ضمن إطار تفاوضي بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما تعهدت واشنطن بالسماح بتصدير النفط الإيراني والخدمات المرتبطة به، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع إنشاء آلية رقابية مشتركة لمتابعة تنفيذ المذكرة وصولاً إلى اتفاق نهائي يصادق عليه مجلس الأمن الدولي بقرار ملزم.

وعليه، انطلقت عملياً مهلة الستين يوماً للتفاوض، ومعها بدأت إجراءات رفع الحصار عن إيران، على أن تنطلق السبت المفاوضات التقنية التي ستمتد لشهرين. وتدخل المنطقة بذلك مرحلة جديدة تقوم على وقف النار وفتح قنوات التفاوض من دون التلويح بالخيار العسكري. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات ميدانية على بدء ترجمة مناخ التهدئة، من بينها سحب عدد من الطائرات الحربية الأميركية التي كانت قد نُشرت في مطار بن غوريون خلال فترة المواجهة، في خطوة فُسّرت على أنها جزء من إجراءات خفض التوتر والانتقال إلى مرحلة التفاوض.

وفي قراءة أولية للبنود، تبدو واشنطن وكأنها قدمت تنازلات كبيرة مقارنة بالمواقف التي سبقت الحرب. غير أن مسؤولين أميركيين يصرون على أن ما تم توقيعه ليس تسوية نهائية ولا انتصاراً إيرانياً، بل مذكرة تفاهم هدفها اختبار إمكانية الوصول إلى اتفاق دائم. إلا أن هذا التبرير لم يمنع تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة، سواء من جانب صقور الحزب الجمهوري وفي مقدمهم السيناتور ليندسي غراهام، أو من قبل إسرائيل التي تنظر إلى الاتفاق باعتباره تنازلاً أميركياً واسعاً لطهران.

وبحسب المعطيات الواردة من تل أبيب، طالب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال النقاشات الحادة التي شهدها المجلس الوزاري الأمني المصغر، بممارسة ضغوط مكثفة على واشنطن لضمان المصالح الأمنية الإسرائيلية. وتمحورت مطالبه حول ثلاثة عناوين أساسية: الإبقاء على المنطقة العازلة داخل الأراضي اللبنانية وعدم التخلي عنها، والحفاظ على حرية العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان، وإيجاد آلية فعالة لنزع سلاح حزب الله. وهي مبادئ تتناقض عملياً مع المناخ الذي يحاول ترامب تكريسه من خلال المذكرة الجديدة.

وفي الوقت المستقطع بين توقيع المذكرة وانطلاق المفاوضات، يبقى الثابت أن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تحتلها حالياً، ولا تبدو مستعدة للتراجع عن الوقائع الميدانية التي فرضتها خلال الأشهر الماضية، ولا عن عمق الانتشار الذي فرضته داخل الجنوب اللبناني. كما أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبني تقديراتها على فرضية أن الاتفاق الأميركي – الإيراني قد لا يصمد طويلاً، وأن انفجار الوضع مجدداً ليس سوى مسألة وقت، سواء بعد أيام أو أسابيع، الأمر الذي يدفع الجيش الإسرائيلي إلى مواصلة استعداداته تحسباً لأي مواجهة جديدة.

ويتصرف ترامب وكأنه صاحب القرار النهائي في هذا الملف، فيما لم يخفِ نائبه جي دي فانس أنه لم يكن مؤيداً لقرار الذهاب إلى الحرب أساساً، ما يعكس استمرار التباينات داخل الإدارة الأميركية حول كيفية التعامل مع إيران.

أما في إسرائيل، فالصمت الرسمي يطغى على الموقف العلني، إلا أن الأوساط السياسية والإعلامية والأمنية تجمع على انتقاد المذكرة واعتبارها "طعنة أميركية في الظهر". وترى هذه الأوساط أن الاتفاق يمنح إيران فرصة لالتقاط أنفاسها وترميم قدراتها الاقتصادية والاستراتيجية، متجاوزاً الشروط الإسرائيلية الثلاثة التي كانت تل أبيب تعتبرها خطوطاً حمراء، وهي: برنامج الصواريخ الباليستية، ومستقبل اليورانيوم المخصب، وعلاقة إيران بأذرعها العسكرية والسياسية في المنطقة.

وتعتبر إسرائيل أن واشنطن تجاوزت هذه المطالب أو وضعتها جانباً، ما يفسر التوقعات الإسرائيلية المتشائمة حيال مستقبل الاتفاق. ووفق مصادر إسرائيلية، ستراقب تل أبيب عن كثب تنفيذ البنود، ولن تتردد في استهداف أي نشاط تعتبره محاولة لإعادة بناء البرنامج النووي الإيراني أو استعادة قدرات عسكرية تهدد أمنها.

وفيما تستمر إسرائيل بشن غارات على جنوب لبنان وتتوغل، ازدادت المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي الاتفاق إلى تعزيز الترابط بين الملف الإيراني وملف حزب الله، خصوصاً أن المذكرة تناولت الجبهة اللبنانية بشكل مباشر ووضعت إنهاء الحرب في لبنان ضمن التفاهم العام بين واشنطن وطهران. لذلك تسعى إسرائيل إلى سحب الورقة اللبنانية من يد إيران عبر الدفع نحو اتفاق أمني مباشر مع الدولة اللبنانية، بالتوازي مع الإصرار على إبقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية.

وتشير المعلومات إلى أن المستوى العسكري الإسرائيلي يرفض أي انسحاب سريع من المواقع التي يسيطر عليها حالياً داخل الأراضي اللبنانية، فيما يجري البحث فقط في خطط تكتيكية لسحب جزء من القوات وإعادة تموضعها، من دون التخلي عن النقاط التي تعتبرها المؤسسة الأمنية ضرورية في المرحلة المقبلة. ويأتي ذلك في وقت تخشى فيه تل أبيب أن يتحول الاتفاق الأميركي – الإيراني إلى مظلة سياسية تضيق هامش حركتها العسكرية في لبنان وتفرض عليها وقائع جديدة لم تكن ترغب بها.

وبينما تراهن واشنطن على أن الستين يوماً المقبلة ستقود إلى اتفاق نهائي يطوي صفحة المواجهة مع إيران، تراهن إسرائيل على العكس تماماً، معتبرة أن التناقضات الكامنة في المذكرة ستظهر سريعاً وأن انهيارها يبقى احتمالاً قائماً بقوة. وبين الرهانين، يقف لبنان أمام مرحلة جديدة عنوانها وقف النار، لكن من دون ضمانات حتى الآن بأن يقود ذلك إلى انسحاب إسرائيلي أو إلى تسوية نهائية تنهي النزاع المفتوح منذ أشهر.

 

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الأنباء الالكترونية