سلام من جامعة "اللويزة": لا يكون الإصلاح حقيقيًا في ظل دولة عاجزة

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Jun 19 26|22:20PM :نشر بتاريخ


كد رئيس الحكومة نواف سلام، أن "أخطر ما يمكن أن يصيب أيّ بلد، ليس فقط احتلال جزء عزيز منه بسبب حرب فُرضت عليه وما نتج عنها من مآس، أو أن يتراجع اقتصاده، بل أن يفقد شبابه الثقة بإمكان بناء مستقبل في وطنهم".


وأضاف خلال كلمة له في حفل تخريج طلاب "جامعة سيدة اللويزة"، في حضور رئيس المجلس الأعلى للجامعة الآباتي إدمون رزق، ورئيس الجامعة الأب بشارة الخوري، وحشد وزاري ونيابي، أن "بناء مستقبل لشباب لبنان، يبدأ باستعادة الثقة بدولتهم، لا بل باستعادة الدولة نفسها لتستعيد ثقة أبنائها. واستعادة الدولة لا تعني العودة إلى إدارةٍ بيروقراطية مترهلة، ولا إلى مؤسّسات منهكة. انها تعني إعادة بناء دولة قادرة وعادلة، تحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم وحرياتهم، وتوفّر لهم الأمن والخدمات والفرص. دولة تحتكم في قراراتها إلى الدستور والقانون والمصلحة العامة".


وتوجه إلى الخريجين بالقول: "أنتم تتخرّجون اليوم في بلدٍ يمتلك من الطاقات البشرية والثقافية ما يؤهّله لأن يكون نموذجًا للتميّز والازدهار في عالمنا العربي، ولكنه يعاني، في الوقت نفسه، من أزمات متراكمة أضعفت مؤسّساته، وضيّقت فرص العمل أمام شبابه... وعندما يصبح الطموح عند الكثير من ابنائه مرادفًا للهجرة، والعمل الكريم صعب المنال، نكون أمام أزمة وطنية تتجاوز الأرقام والمؤشرات، لتطال معنى الانتماء نفسه".


وأكد سلام: "الدولة التي نريد إعادة بنائها ليست دولةً في مواجهة المجتمع، بل دولة في خدمته. وليست دولة فئة أو طائفة أو منطقة، بل دولة جميع اللبنانيين. إنها دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه لا تتوقف على واسطة، وأن كفايته لا تُهزم أمام المحسوبية، وأن مستقبله لا يُرهن بانتمائه السياسي أو الطائفي".


واستدرك: "غير أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بعنوان واحد أو بإجراء منفرد. فهذا لا يتم بنصف مسار، بل بمسار متكامل يقوم على ركيزتين متلازمتين: الإصلاح وبسط سيادة الدولة".


وجزم: "لا يكون الإصلاح حقيقيًا في ظل دولة عاجزة عن إنفاذ قوانينها وقراراتها على كامل أراضيها. ولا سيادة مكتملة لدولة تتآكل مؤسّساتها من الداخل بفعل الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة".


وتابع: "لقد كان الفصل بين الإصلاح والسيادة هو أحد أسباب تعثّر مشروع الدولة في لبنان. فمن يطالب بالإصلاح ولا يسأل عن السيادة، يتجاهل أن بناء المؤسّسات وتطوير الاقتصاد وجذب الاستثمار يحتاج إلى سلطة شرعية واحدة قادرة على حماية القانون وتطبيقه. ومن يطالب بالسيادة ويهمل الإصلاح، يتجاهل أن الدولة لا تستعيد ثقة مواطنيها بمجرد امتلاكها أدوات السلطة، بل بفعّاليتها وعدالتها وبكفاءة ونزاهة القيّمين عليها أيضًا".


وأكد رئيس الحكومة: "الإصلاح يعني استقلال القضاء كسلطة دستورية، وتحديث القوانين، وتفعيل أجهزة الرقابة. وهو يعني الإصلاح المالي، وتحديث الإدارة العامة على أساس الكفاءة وتسهيل معاملات المواطنين فيها ومكننتها. والأهم أن الإصلاح يتطلب استكمال تطبيق كل ما لم يطبق من اتفاق الطائف، وتصحيح ما طبق منه خلافًا لنصه أو روحه، وسد ما أظهرته الممارسة من ثغرات فيه، وطبعًا الانفتاح على تطويره كلما تبيّن أن هناك حاجة إلى ذلك. وأما السيادة، فتعني أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم، دولة تقرر ولا يُقرَّر عنها، ولا يتحدث باسمها او يفاوض عنها غير سلطاتها الدستورية. دولة تكون لها حصرية السلاح على كامل أراضيها، وتكون مؤسّساتها الشرعية وحدها المرجع في حماية الوطن والمواطنين. دولة يُطبّق فيها القانون بالتساوي على الجميع، من دون استثناء أو انتقائية. فالدولة التي تعجز عن صون قرارها الوطني تفقد صدقيتها في الداخل والخارج. والدولة التي تعجز عن حماية حقوق مواطنيها وأموالهم وحرّياتهم تفقد شرعيتها".


وقال: " لذلك، فإن استعادة الدولة تقتضي أن تتعافى سيادتها ومؤسّساتها معًا، لأن السيادة من دون مؤسّسات فاعلة تبقى ناقصة، والإصلاح من دون سلطة قادرة يبقى هشًّا".


وتوجه مجددا إلى الخريجين والخريجات: "قد يبدو هذا المسار طويلًا وصعبًا، لكنه ليس مستحيلًا. فالدول لا تُبنى دفعة واحدة، انما يتقدّم بناؤها حين يرفض مواطنوها الاستسلام لواقع لا يلبّي طموحاتهم.  ودوركم في هذا المسار أساسي. فأنتم جيل لم يعد يقبل بسهولة الأجوبة التقليدية الجاهزة، ولا يرى في الزعامة الفردية بديلًا عن المؤسسة، ولا في الولاء الضيق بديلًا عن المواطنة. وأنتم الأقدر على كسر ثقافة المحاصصة، وعلى الدفاع عن قيمة الجدارة، وعلى إعادة الاعتبار إلى العمل العام بوصفه خدمة لا امتيازًا. فلا تسمحوا لليأس بأن يقنعكم بأن التغيير مستحيل، ولا للانقسامات بأن تحصر طاقاتكم داخل هويات ضيقة. ولا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم الأمل بحجة الواقعية.  فالواقعية الحقيقية ليست أن نستسلم لما هو قائم، بل أن نرى بوضوح ما يجب تغييره. فانخرطوا في مؤسّسات مجتمعكم ومنظماته وهيئاته، واقترحوا، وشاركوا، وراقبوا، وحاسبوا. وتأكدوا أن الأوطان لا تقوم لأن تاريخها كان جميلًا، بل لأنها تعتبر أن مستقبلها يجب أن يكون أجمل. ولبنان، رغم كل ما مرّ عليه، لا يزال يملك ما يكفي من الضوء ليخرج من العتمة الى مستقبل أفضل. وهذا الضوء اراه في عيونكم، في أسئلتكم، في قلقكم، وفي قدرتكم على الحلم والعمل معًا. فكونوا جيل البداية الجديدة، جيل لبنان الجديد".


وتابع: "قد يختار بعضكم أن يعمل خارج لبنان، وهذا حقّ طبيعي في عالم بات معولما. ولكن لبنان يحتاج إليكم حيثما كنتم: يحتاج إلى علمكم وخبرتكم، وإلى شبكات علاقاتكم ومبادراتكم. ومسؤوليتنا، كدولة، أن نجعل البقاء خيارًا يستحق الرهان، وأن نجعل العودة من الخارج احتمالًا جديًا، لا حنينًا عاطفيًا. وعلينا مسؤولية اقناع الشباب، لا بالكلام بل بالفعل، ان هذا البلد ليس مغلقًا أمام طموحاتهم. ومن هنا أجدد التزام حكومتي، الا تتراجع عن مسيرة الإصلاح التي بدأتها، وألا تساوم على أي شبر من أرض الوطن، وألا تتهاون في حصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها".


وقال: "ثقوا أنني مدرك أن إعادة بناء الدولة لا يتم في مجلس الوزراء وحده، ولا في مجلس النواب وحده. فهي تبدأ أيضًا في الصفوف الجامعية، وبخاصة في النقاش الحر كما في التعلم على احترام الاختلاف داخلها. والأهم، في الإصرار على أن الكفاءة يجب أن تكون لغة الجمهورية الجديدة. لبنان الجديد الذي نريده ليس لبنانًا بلا ذاكرة. فنحن لا نسعى إلى ان نمحو تاريخنا اية حقبة مهما كانت قاسية، ولا نطلب من أحد أن يتخلى عن خصوصيته. لكننا نقول إن التنوع لا يحيا في الفوضى، بل في كنف الدولة. فلا تخافوا من تنوّعكم، لكن انبذوا الطائفية التي تفرّق، ولغة الكراهية التي تدمّر، واجعلوا من المواطنة مساحتكم المشتركة".


وتوجه إلى الأهل: "أنتم شركاء في هذا الإنجاز. لقد حملتم أعباءً كبيرة، وقدّمتم التضحيات، وحافظتم، رغم كل الصعوبات، على إيمانكم بأن التعليم هو الطريق الأنجح نحو الكرامة والتقدم.  وما نحتفل به اليوم هو ثمرة تعبكم وأملكم، بقدر ما هو ثمرة اجتهاد أبنائكم وبناتكم. وإلى الجامعة وأساتذتها، كل التقدير على دوركم في الحفاظ على مستوى التعليم وترسيخ قيمة المعرفة في زمن الأزمات. فالجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات فقط، بل فضاءٌ لتكوين العقل الحر، وترسيخ مفهوم المسؤولية، والبحث عن الحقيقة. وما أحوج لبنان اليوم إلى جامعات لا تكتفي بتخريج أصحاب الاختصاص، بل تخرّج مواطنين قادرين على التفكير والمساءلة والمبادرة".


وختم: "أيها الخريجون والخريجات، قبل أن تمنحكم الجامعة شهادة في أي من مجالات العلوم او الآداب، فقد منحتكم ما هو أعمق وأبقى: المنهج العلمي والتفكير النقدي. علّمتكم أن لا تقبلوا الأفكار على علّاتها، وأن تسألوا عن الدليل قبل الحكم، وأن تميّزوا بين الرأي والمعرفة، وبين الانطباع والحقيقة. وهذه ليست مهارات أكاديمية فحسب، بل هي أضحت حاجات وطنية ملحّة في بلدنا اليوم. فلبنان لا يحتاج فقط إلى أصحاب شهادات، بل إلى عقول قادرة على تشخيص المشكلات بدقة، وتحليل أسبابها بعمق، واقتراح حلول مبنية على الوقائع لا على الولاءات، وعلى المصلحة العامة لا على الحسابات الضيقة. وإن إدخال هذا المنهج إلى مؤسسات الدولة وإداراتها الرسمية يعني الانتقال من الارتجال إلى التخطيط، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، لكي تأتي السياسات العامة مبنية على المعطيات والتقييم والنتائج. فالدولة الحديثة لا تُبنى بحسن النيات وحده، بل بعقل نقدي يراجع ويصحح، وبمنهج علمي يقيس النتائج، ويقارن البدائل، فيختار الاصلح... وأنتم لا تدخلون اليوم إلى عالم سهل، ولكنكم تدخلونه بما يكفي من المعرفة والقدرة لتضعوا فيه بصماتكم. لا تجعلوا الصعوبات ذريعة للانسحاب، بل دافعًا للعمل. ولا تقيسوا نجاحكم بما تحقّقونه لأنفسكم وحدكم، بل ايضا بما يمكن ان تضيفونه إلى الصالح العام. لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات، بل إلى دولة تحتضنها. ولا يفتقر إلى الأفكار، بل إلى مؤسّسات تحوّلها إلى سياسات ومشاريع. ولا يفتقر إلى حب أبنائه، بل إلى عقد وطني يجعل منه قوة بناء، لا مناسبةً للحنين. وإن مستقبل شباب لبنان لن يُبنى بالوعود، بل بالعمل على قيام دولة توحّد قرارها، وتستعيد ارضها، وتعيد اعمار ما تدمّر فيها، وتصلح مؤسّساتها، وتفرض القانون، وتصون كرامة مواطنيها. وهذه الدولة ليست حلمًا بعيدًا، بل حقّ وواجب ومشروع وطني. في يوم تخرّجكم، أتمنى أن تحملوا معكم الثقة بأن لبنان يستطيع أن ينهض، لا لأن الطريق سهل، بل لأن أبناءه، وفي طليعتهم أنتم، قادرون على شقّ هذا الطريق. مبارك لكم تخرّجكم، مبارك لأهلكم وجامعتكم، ومبارك للبنان هذا الجيل الجديد من أبنائه وبناته، عشتم، وعاش لبنان".

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan