غسان كنفاني... الكلمة التي نجت من الانفجار
الرئيسية ثقافة / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Jul 12 26|09:56AM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
في الثامن من تموز 1972، دوّى انفجار في بيروت أودى بحياة غسان كنفاني، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وبحياة ابنة شقيقته لميس التي كانت في السابعة عشرة، في عملية اغتيال نُسبت إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، جاءت بعد أشهر قليلة من عملية ميونخ التي زادت التوتر بين الطرفين. وقد اعتُبر كنفاني هدفًا مباشرًا لأجهزة الأمن الإسرائيلية منذ صعود العمل الفدائي المسلح بعد عام 1967، إذ رأت فيه لسانًا سياسيًا وإعلاميًا لا يقل خطورة عن الفعل العسكري.
غير أن ما تلا ذلك أثبت أن الكاتب قد يغيب، بينما يبقى أثره حيًا في الوعي الجمعي. ومن هنا، لا تبدو ذكرى كنفاني استعادةً لمأساة، بقدر ما هي مناسبة للتأمل في مصير الأدب حين ينجح في تجاوز زمنه.
وُلد كنفاني في عكا عام 1936، وعاش طفولته في يافا حتى اضطرته النكبة عام 1948 إلى اللجوء وهو ابن اثنتي عشرة سنة، أولًا إلى لبنان ثم إلى دمشق. هناك عمل في مطبعة وفي توزيع الصحف قبل أن ينال شهادة الثانوية سنة 1953، ويعمل معلمًا للتربية الفنية في مدارس الأونروا، وفي تلك الفترة تعرّف إلى جورج حبش وانضم إلى حركة القوميين العرب. انتقل إلى الكويت عام 1956 للتدريس، ثم استقر في بيروت عام 1960 حيث بدأ مسيرته الصحفية في جرائد «الحرية» و«المحرر» و«الأنوار». وفي عام 1969 تولى رئاسة تحرير مجلة «الهدف» الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعد أن أصبح ناطقها الرسمي إثر تأسيسها عام 1967.
لم يكن كنفاني يكتب ليؤرخ للنكبة أو يوثق أحداثها، بل ليكشف ما أحدثته في الإنسان من تصدعات نفسية وأسئلة وجودية. لذلك لم تتحول شخصياته إلى رموز جامدة أو أدوات لخدمة فكرة مسبقة، بل بقيت كائنات حية، تحمل تناقضاتها، وتواجه اختياراتها القاسية، وتدفع أثمانها كاملة. وهذا ما منح أعماله قدرة على مخاطبة القارئ، مهما اختلفت بيئته أو تجربته.
وفي «رجال في الشمس» لا تكمن عبقرية الرواية في مأساة نهايتها وحدها، بل في البناء الذي يقود إليها. فالصهريج ليس مجرد مكان للاختباء، بل صورة مكثفة لعالم يُحاصر الإنسان حتى يختنق. وعندما يصل القارئ إلى النهاية، يدرك أن المأساة لم تكن حادثًا عابرًا، بل نتيجة سلسلة من العجز والخوف والرهانات الخاطئة. هكذا تتحول الرواية من قصة عن ثلاثة رجال إلى تأمل عميق في ثمن الصمت عندما يصبح عادة.
أما «عائد إلى حيفا» فتقدم معالجة أكثر تعقيدًا لفكرة الوطن. فالعودة لا تنتهي عند استعادة المكان، بل تبدأ منها أسئلة الهوية والانتماء والمسؤولية. لا يمنح كنفاني شخصياته إجابات جاهزة، ولا يدفع القارئ إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما يضع الجميع أمام ماضٍ لا يمكن تغييره، ومستقبل لا يُبنى إلا بالاعتراف بمرارة الاختيارات. لذلك ظل هذا النص واحدًا من أكثر الأعمال العربية قدرة على إثارة النقاش، لأنه يطرح أسئلة أخلاقية قبل أن يطرح مواقف سياسية.
وتكتمل خارطة تجربته الروائية بأعمال أخرى لا تقل دلالة. ففي «أرض البرتقال الحزين» يرصد رحلة العائلة الفلسطينية من مدنها الأولى إلى محطات المنفى واللجوء، بينما تقدم «أم سعد» صورة الأم الفلسطينية التي تتحول معاناتها اليومية إلى صمود هادئ في وجه الاقتلاع. وبين هذه النصوص وغيرها، بدت التجربة الفلسطينية عند كنفاني أكثر من قضية سياسية واحدة، بل نسيجًا من المصائر الفردية المتشابكة.
ويُعدّ كنفاني أول من صاغ مصطلح «أدب المقاومة» في النقد العربي، انطلاقًا من قناعته بأن المثقف لا يملك ترف الحياد، وأن الكلمة يمكن أن تكون فعلًا لا يقل أثرًا عن الفعل المباشر. غير أنه لم يقصد بذلك تحويل الأدب إلى دعاية، بل رأى أن الالتزام الحقيقي ينبع من صدق التجربة لا من فرض الموقف، وهو ما يفسر خلوّ نصوصه من الخطابية رغم التزامها الواضح.
وتتجلى قيمة كنفاني أيضًا في لغته، إذ ابتعد عن الزخرفة اللفظية واختار عبارة واضحة تؤدي معناها من دون استعراض، مدركًا أن قوة السرد تنبع من دقة الصورة وإيقاع الجملة لا من كثرة البلاغة. ولهذا بقيت كتاباته حديثة في نبرتها، عصية على التقادم رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدورها.
ولعل أكثر ما يميز مشروعه الأدبي أنه لم يفصل بين الجمال الفني والالتزام الإنساني. فقد رفض أن يكون الأدب منشورًا سياسيًا، كما رفض أن يتحول إلى لعبة لغوية معزولة عن الواقع. ومن هذا التوازن ولدت نصوص استطاعت أن تحافظ على قيمتها الأدبية، من دون أن تتخلى عن انشغالها بقضايا الإنسان والحرية والعدالة، وهو ما فتح لها الطريق إلى أكثر من عشرين لغة حول العالم، فصارت أعماله تُدرَّس في جامعات عديدة، ويُستعان بها لفهم القضية الفلسطينية. ولا يزال حضوره واضحًا في كتابات كثير من الروائيين والنقاد العرب الذين وجدوا في تجربته نموذجًا للجمع بين القيمة الفنية والالتزام الإنساني.
ولم يقتصر نشاط كنفاني على الكتابة الروائية، فقد عمل رسامًا ومحررًا صحفيًا وباحثًا سياسيًا، إلى جانب دوره الناطق باسم الجبهة الشعبية. وهذا التنوع في الاهتمامات لم يُشتّت مشروعه، بل صبّ في اتجاه واحد: تقديم صورة متكاملة عن الإنسان الفلسطيني، سياسيًا وثقافيًا ونفسيًا في آن واحد.
لهذا لم يبقَ غسان كنفاني حاضرًا لأنه اغتيل، فالتاريخ يعرف كثيرين انتهت أسماؤهم بانتهاء حياتهم، وإنما بقي لأن نصوصه ما زالت قادرة على إنتاج أسئلة جديدة كلما تبدلت الأزمنة.
إن أفضل وفاء لغسان كنفاني ليس الاكتفاء باستذكار يوم رحيله، بل العودة إلى كتبه بعين جديدة. فالأعمال العظيمة لا تعيش لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تساعد كل جيل على فهم حاضره. وعندما ينجح الكاتب في تحقيق ذلك، يصبح الزمن حليفًا له لا خصمًا، وتغدو صفحاته أكثر قدرة على البقاء من كل محاولة لمحوها.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا