٢٠٢٦: حين يصبح الزمنُ امتحاناً للوعي لا للتواريخ
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Dec 31 25|23:13PM :نشر بتاريخ
كتب الكاتب والباحث اللبناني في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
لا يدخلُ عامٌ جديدٌ حياةَ اللبنانيِّينَ كما يدخلُ سائرَ الشُّعوبِ. فالزمنُ هنا لا يُقاسُ بتعاقبِ الشهورِ، بل بمدى التغيُّرِ الذي يتركُه في النُّفوس. ومع اقترابِ 2026، لم يعدِ السؤالُ الجوهريُّ عمّا سيأتي، بل عمّا غيَّرتْه فينا الأعوامُ السّابقة. هنا، يصبحُ الزمنُ امتحانًا للوعيِ، لا مجرّدَ حافظةٍ للتواريخِ.في أماكنَ أخرى من العالمِ، يُشكِّلُ الانتقالُ من سنةٍ إلى أخرى تفصيلًا إداريًّا في الحياةِ. أمّا في لبنانَ، فهو عبورٌ نفسيٌّ، وأحيانًا وجوديٌّ، بين هوَّتين: ما كنّاه، وما لم نعدْ قادرين على أن نكونَه. لقد خرجَ اللبنانيّون من 2025 أكثرَ إدراكًا لهشاشتِهم، لكن أيضًا أكثرَ معرفةً بما لا يمكنُ التفريطُ به، بعد سنواتٍ علّمتهم أنّ الاستقرارَ ليس معطًى دائمًا، بل حالةٌ مؤقّتةٌ تُختبرُ في كلِّ حينٍ.لم يعدِ الزمنُ هنا خطًّا مستقيمًا. صار حلزونًا مكسورًا: يدورُ حولَ نفسِه، لكنّه لا يعودُ أبدًا إلى النُّقطةِ ذاتِها. الأزماتُ تتكرّرُ بأسماءٍ مختلفةٍ، غيرَ أنّ ردودَ الفعلِ تغيَّرت. ما كان يُقابَلُ سابقًا بالصَّدمةِ أو الغضبِ، يُقابَلُ اليومَ بنوعٍ من الحكمةِ القاسيةِ. لا رضًى، لكن لا ذهولَ. لا استسلامَ، لكن لا اندفاعَ أعمى. صمتٌ نشِطٌ، يُراقبُ أكثرَ ممّا يصرخُ.في 2026، يبدو اللبنانيُّ أقلَّ ثقةً بالأنظمةِ، وأكثرَ ثقةً بخياراتِه الفرديّةِ. هذا التحوُّلُ ليس تفصيلًا عابرًا، بل انتقالًا عميقًا في طريقةِ العيشِ والتفكيرِ. حين تسقطُ المظلّاتُ الكبرى — الدولةُ، المؤسّساتُ، الوعودُ — يبحثُ الإنسانُ عن توازنٍ داخليٍّ، ولو كان هشًّا. كثيرون أعادوا ترتيبَ أولويّاتِهم، وسألوا أنفسَهم أسئلةً لم تكن مطروحةً من قبل: ما الذي يستحقُّ أن أُنقذَه؟ وأيُّ خسارةٍ يمكنُ احتمالُها؟ وما الذي لم يعدْ يُحتملُ؟في هذا السِّياقِ، تراجعتْ فكرةُ المعركةِ الشاملةِ، وصعدتْ فكرةُ النَّجاةِ الذكيّةِ. ما يستحقُّ الحياةَ يُصغى له، وما يستحقُّ الموتَ يُدفنُ بهدوءٍ. لم يعدْ كلُّ شيءٍ مشروعَ صدامٍ، ولم يعدْ كلُّ تراجعٍ هزيمةً. صار الاقتصادُ في الطّاقةِ شكلًا من أشكالِ الحكمةِ، لا علامةَ ضعفٍ.اللافتُ أنّ الثقافةَ، بمعناها الواسعِ، تحوّلتْ إلى ملاذٍ غيرِ مُعلَنٍ. القراءةُ مقاومةٌ، والكتابةُ حفرٌ في الجدارِ، والنِّقاشُ تنفُّسٌ. حين تعجزُ السياسةُ عن تقديمِ معنىً، يبحثُ الناسُ عنه في الفكرِ، في الفنِّ، وفي العلاقاتِ الإنسانيّةِ. المقاهي، والبيوتُ، والمساحاتُ الصّغيرةُ صارت أماكنَ لتبادلِ الأسئلةِ لا الشِّعاراتِ، ومحاولاتٍ صامتةً لحمايةِ المجتمعِ من التّفكُّكِ الكاملِ.جيلُ الشّبابِ، على وجهِ الخصوصِ، يدخلُ عامَ 2026 بعينين مختلفتين. لم تعدِ الأحلامُ واسعةً كما كانت، لكنّها صارت أدقَّ. الهجرةُ لم تعدْ جنّةً، والبقاءُ لم يعدْ جحيمًا. كلاهما أرضٌ يابسةٌ، وعلى كلٍّ أن يحفرَ بئرَه بيدِه. هذا الوعيُ المؤلمُ ليس هزيمةً، بل علامةُ نُضجٍ قاسٍ، لأنّ الأحلامَ التي تُقاسُ بواقعِها، لا بحجمِها، هي وحدَها القابلةُ للحياةِ.وسطَ هذا المشهدِ، تبرزُ مفارقةٌ لا يمكنُ تجاهلُها: الدولةُ ضعيفةٌ، لكنّ المجتمعَ لم يمتْ. المؤسّساتُ مأزومةٌ، لكنّ العلاقاتِ الإنسانيّةَ تعيدُ ترتيبَ نفسِها. الصّورةُ قاتمةٌ، لكنّ الحسَّ النّقديَّ ارتفعَ. وهذا الحسُّ، على هشاشتِه، هو أخطرُ ما يمكنُ أن تواجهَه أيُّ منظومةٍ فاشلةٍ، لأنّ الناسَ حين يتعلّمون العيشَ خارجَها، يفقدون الخوفَ منها.2026 لا يحملُ وعدًا بالخلاصِ السّريعِ، ولا معجزةً في الأفقِ. لكنّه يحملُ فرصةً نادرةً: أن نتوقّفَ عن خداعِ أنفسِنا. أن نعترفَ بأنّنا نعيشُ مرحلةَ تحوُّلٍ طويلةً، لا أزمةً عابرةً. وأنّ الخروجَ منها لن يكونَ بالقفزِ، بل بالمشيِ البطيءِ، الواعي، والمؤلمِ أحيانًا.العامُ الجديدُ لا يحتاجُ إلى ضجيجٍ، بل إلى وضوحٍ. لا إلى وعودٍ كبيرةٍ، بل إلى فهمٍ أعمقَ لما تعلّمناه. فالمجتمعاتُ التي تمتلكُ جرأةَ الاعترافِ بما خبرتْه، وتواضعَ استخدامِه في بناءِ مساحاتِ الحياةِ الصّغيرةِ، هي وحدَها التي تملكُ بذرةَ المستقبلِ.في بلدٍ اعتادَ الأزماتِ، قد يكونُ الوعيُ المكسبَ الوحيدَ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُصَادَرَتُهُ.
وهو، في النّهايةِ، شرطُ النّهوضِ الوحيدُ الذي بقي.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا