الدروز وصناعة المعادلة في المشرق
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Feb 21 26|12:27PM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الانساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
كيف استطاعت جماعة صغيرة العدد أن تصنع حضورًا مؤثرًا في قلب المشرق العربي؟ هذا السؤال يفتح أبواب قراءة جديدة في كتاب «تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي»، الذي يمثل علامة فارقة في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة. ألّفه المؤرخ الدكتور عباس أبو صالح وأستاذ الفكر المقارن الدكتور سامي مكارم، وصدر عن المجلس الدرزي للبحوث والإنماء في بيروت عام 1981، في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، ليطرح سؤال الهوية والتعايش على نحو مباشر وملموس.
يمزج المؤلفان بين الدقة الأكاديمية والبعد الوجداني للتاريخ، مستندين إلى مصادر درزية مخطوطة ووثائق عثمانية وعربية، ليقدّموا للقارئ صورة أصيلة لتاريخ الدروز السياسي. ومن الصفحات الأولى، يظهر الدروز كفاعلين سياسيين واجتماعيين مؤثرين، لا كجماعة هامشية، ويقدّم الكتاب تحليلًا معمقًا للسياقات التاريخية مع إبراز أثرهم الكبير رغم صغر عددهم.
من الدعوة إلى الكيان: التأسيس في أحضان الجبل
يركز الكتاب على مرحلة التأسيس في القرن الحادي عشر في ظل الدولة الفاطمية، موضحًا أنّ التحول من دعوة عقائدية إلى كيان سياسي لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمية لصراعات السلطة وتحولات المنطقة. ومع الاعتصام بالجبال في لبنان وحوران، نشأت صيغة حكم خاصة، حيث تحوّل العزل الجغرافي إلى قوة اجتماعية وسياسية، وبرزت القيادة المحلية نموذجًا للتوازن بين الخصوصية والمناورة ضمن السلطنة الإسلامية.
الإمارة المعنية: مخاض الكيان اللبناني
في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، يقدم الكتاب قراءة واقعية للتنظيم السياسي، بعيدًا عن الطابع البطولي المجرد. يوضح المؤلفان أنّ فخر الدين أسّس مشروع إدارة متكاملًا قائمًا على التحالفات والتنظيم المالي والعسكري، بهدف توسيع هامش الحكم الذاتي ضمن الإطار العثماني، ما يعكس ولادة فكرة الكيان اللبناني في صورته الأولى.
التجربة الشهابية ومحنة 1860
تُظهر مرحلة الشهابيين قدرة الدروز على إدارة التعددية الطائفية في جبل لبنان. واجه هذا النظام اختبارات قاسية في القرن التاسع عشر، بلغ ذروتها في أحداث 1860، حين تداخل المحلي بالإقليمي والدولي في ظل ضعف عثماني وتصاعد التدخل الأوروبي. وهكذا شكلت المتصرفية إعادة صياغة للكيان الجبلي ومحاولة لضبط التوازن بين الطوائف، وهي تجربة تقدم دروسًا مهمة في السياسة التوافقية وإدارة التنوع.
في فلسطين: حضور يمتد خارج الحدود
لا يغفل الكتاب دور الدروز في فلسطين خلال الانتداب البريطاني والثورة الفلسطينية، حيث ساهموا في الدفاع عن القرى الدرزية في الجليل والجولان. كما يتناول مشاركتهم في حماية بعض القرى أثناء أحداث النكبة 1948، مما يعكس استمرار التفاعل الدرزي مع السياق العربي المعاصر، ومساهمتهم في حماية النسيج الاجتماعي والمقاومة الوطنية خارج حدود لبنان.
الثورة السورية الكبرى: لحظة وطنية جامعة
تبلغ القراءة ذروتها في الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، حيث يوضح الكتاب أنّ الثورة لم تكن حركة طائفية، بل تعبيرًا عن توق وطني عميق إلى الحرية والاستقلال. تؤكد هذه المرحلة وحدة التجربة السياسية الدرزية في المشرق رغم التباعد الجغرافي، وتبيّن قدرة الجماعة على التأثير في مسار التاريخ الإقليمي، وتقديم نموذج للالتزام الوطني والعروبي في مواجهة الاستعمار والاحتلال.
صدور الكتاب في زمن الحرب: البحث عن معادلة
في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، بدا الكتاب وكأنه محاولة لاستعادة بوصلة التعايش المفقود، وفهم كيفية صياغة جماعة صغيرة لحضور متوازن ضمن كيانات متعددة ومعقدة. يقدّم المؤلفان نموذجًا للتفكير في معادلة تجعل من العدد الصغير قادرًا على الفعل الكبير، وهو درس يظل حيًا في الحاضر، ليس فقط في لبنان بل في كل المشرق العربي حيث يتقاطع التاريخ مع السياسة والمجتمع.
سؤال مفتوح على الحاضر
يختتم الكتاب بسؤال يتجاوز التاريخ: كيف يمكن لجماعة صغيرة عددًا أن تكون كبيرة أثرًا؟ سؤال يلامس الواقع اللبناني والسوري المعاصر، ويدعو القارئ إلى التفكير في مقاييس القوة والتأثير داخل نسيج التنوع في المشرق العربي، ويعيد التأكيد على أنّ الحجم لا يحدّد قيمة الفعل أو القدرة على ترك أثر دائم.
المرجع:
أبو صالح، عباس، وسامي مكارم. تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي. بيروت: المجلس الدرزي للبحوث والإنماء، 1981.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا