فلسفة العقل المتخطي: حين يتحوّل الفكر إلى مشروع تغيير

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Jan 04 26|12:58PM :نشر بتاريخ

كتب الكاتب اللبناني والباحث في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في ايكو وطن: 

يشكّل كتاب «فلسفة العقل المتخطي – فلسفة التغيير» للمفكّر اللبناني كمال جنبلاط، الصادر عن الدار التقدمية – بيروت (الطبعة الموسّعة بعد وفاته، 2003)، أحد النصوص الفكرية النادرة في الثقافة العربية الحديثة، إذ يتجاوز التصنيف التقليدي بين الفلسفة النظرية والكتابة السياسية، ليقدّم مشروعًا متكاملًا يرى في العقل أفقًا أخلاقيًا ووجوديًا لا مجرد أداة تحليل. هذا الكتاب لا يطلب من قارئه أن يتلقّى، بل أن يشارك، وأن يدخل في تجربة فكرية قوامها السؤال والجدل والتحوّل.
العقل المتخطي، كما يتجلى في صفحات الكتاب، ليس عقلًا أداتيًا أو ذهنيًا صرفًا، بل عقلًا قادرًا على تجاوز الانقسام التقليدي بين الفكر والحياة. إنّه عقل يتحرّك داخل التناقض، ويعترف به شرطًا للفهم لا خللًا ينبغي محوه. من هنا تنبع مركزية الجدلية في هذا العمل، لا بوصفها منهجًا فلسفيًا مستعارًا من مدارس غربية، بل كقانون كوني يحكم الوجود والطبيعة والتاريخ والنفس الإنسانية. فالتحوّل، في نظر جنبلاط، ليس طارئًا على الأشياء، بل جوهرها العميق.
ينطلق الكتاب من مسلّمة فكرية بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: لا ثبات في الحياة إلا للتغيّر نفسه. كل كيان يحمل نقيضه في داخله، وكل حالة تلد ما يتجاوزها. بهذا المعنى، يصبح العقل المتخطي عقلًا يرفض الاطمئنان إلى السكون، ويشكّك في كل يقين لا يُمتحن بالحركة. غير أنّ هذا الشك لا يقود إلى العدمية أو العبث، بل إلى وعي أعلى يرى في التوتر مصدرًا للخلق، وفي الصراع شرطًا للنمو.
ما يميّز هذا العمل فلسفيًا أنّه لا يفصل بين العقل والأخلاق. فجنبلاط لا ينظر إلى التفكير بوصفه تمرينًا ذهنيًا محايدًا، بل باعتباره فعلًا أخلاقيًا يحمل تبعاته على الفرد والمجتمع. العقل الذي لا يقترن بالعدالة يتحوّل إلى أداة هيمنة، والمعرفة التي تنفصل عن القيم الإنسانية تفقد معناها. من هنا تأتي دعوته إلى عقل متخطي يجمع بين التحليل والضمير، بين الفهم والمسؤولية، بين الحرية والانضباط الذاتي.
وفي معالجته لمفهوم السعادة، يبتعد جنبلاط عن المقاربات النفعية أو النفسية الضيقة، ليقدّم تصورًا وجوديًا يرى السعادة حالة انسجام بين العقل والقلب، بين الرغبة والواجب. الإنسان لا يبلغ توازنه، في هذا التصوّر، عبر إشباع نزواته ولا عبر قمعها، بل عبر وعيها وتوجيهها ضمن أفق أخلاقي أوسع. هنا يظهر البعد الوجداني في الكتاب لا كزينة لغوية، بل كعنصر بنيوي في التفكير نفسه، إذ يربط النظرية بالممارسة اليومية والقرار الأخلاقي الفردي.
ينفتح الكتاب على الفلسفات الشرقية، مستفيدًا من بعدها التأملي والروحي، من دون أن يتخلّى عن العقل النقدي. كما ينفتح على الفلسفة الغربية، مع وعيٍ حاد بمخاطر تحوّل العقل الأداتي إلى أداة سيطرة حين ينفصل عن البعد الإنساني. في هذا التفاعل بين الشرق والغرب، لا يبحث جنبلاط عن مفاضلة، بل عن تكامل، يرى أنّ العقل يبلغ ذروته حين يتصالح مع الحكمة، وحين تصبح المعرفة وسيلة لتحرير الإنسان لا لتشييئه.
وعندما ينتقل الكتاب إلى مسائل الحرية والحضارة، تتكشّف العلاقة العضوية بين الفلسفة والسياسة في فكر جنبلاط. الحرية هنا ليست شعارًا ولا مطلبًا قانونيًا فحسب، بل تجربة داخلية تبدأ بتحرير العقل من الخوف، ومن الطاعة العمياء، ومن الارتهان للأفكار الجاهزة. أما الحضارة، فلا تُقاس بالتقدّم المادي أو التقني، بل بقدرتها على إنتاج إنسان حر، واعٍ، ومسؤول. في هذا المعنى، يتحوّل العقل المتخطي إلى مشروع حضاري بامتياز.
رغم كثافة الكتاب الفلسفية، لا يفقد نبرته الإنسانية ولا اتصاله بالهمّ العملي. خلف المفاهيم والجدل، يمكن تلمّس قلق مثقف آمن بأن الفكر ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. إنّه قلق نابع من إدراك عميق بأن العنف والطائفية والاستبداد لا تُواجَه بالقوة وحدها، بل بعقل قادر على تفكيك جذورها المعرفية والنفسية. لذلك لا يبدو هذا النص هروبًا إلى التجريد، بل مواجهة هادئة مع أسئلة الإنسان الكبرى.
وهكذا يظل كتاب «فلسفة العقل المتخطي»، برغم مرور عقدين على هذه الطبعة، نصًا راهنًا يخاطب إنسانيتنا في صميم أزماتها المعاصرة، ويؤكد أن الفكر يمكن أن يكون فعلًا عمليًا يتحوّل إلى مشروع حياة وإدراك دائم.
ليس «فلسفة العقل المتخطي» كتابًا يُقرأ على عجل، ولا نصًا يُستهلك مرة واحدة. إنّه عمل يفرض على قارئه إيقاعه الخاص، ويدعوه إلى إعادة النظر في مسلّماته، وإلى اختبار قدرته على التفكير خارج الأطر السائدة. قيمته لا تكمن في خلاصاته النهائية، بل في الحركة الفكرية التي يطلقها، وفي الدعوة المستمرة إلى أن يكون العقل فعل تحرّر لا أداة تكيّف.
وهكذا يظلّ الكتاب راهناً وحاضراً، نصًا يُعيد طرح التساؤل عن دور الفكر العربي في مواجهة الأزمات، ويبرز أن العقل المتخطي ليس مجرد نظرية، بل ممارسة حياة، وإدراكًا مسؤولًا، وفلسفةً تتجلّى في فعل التغيير على الأرض.
بهذا المعنى، لا يكتفي كتاب جنبلاط بأن يكون شهادة فكرية حيّة، بل يتحوّل إلى نداء دائم لضمير المفكر العربي: أن يكون عقله سؤالًا دائمًا، وتفكيره مشروع تحرر، وفلسفته فعل تغيير لا في الأفكار فحسب، بل في الواقع الذي تنبثق منه، لتظل قراءة هذا الكتاب تجربة مستمرة للإدراك والوعي والتحوّل.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan