تعاميم الدولة حبر على ورق؛ الفاليه باركينغ: فوضى منظّمة في شوارع بيروت
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : ندى حمزة
Jan 08 26|22:34PM :نشر بتاريخ
كتبت ندى حمزة في "عكس السير":
لا يحتاج الأمر إلى دراسات معقّدة أو لجان تحقيق، ولا إلى تقارير مطوّلة. جولة قصيرة في شوارع بيروت، في أي ساعة من النهار أو الليل، تكفي لكشف حجم الفوضى التي تُدار على مرأى من الجميع ومن دون أدنى مساءلة. ما يحدث ليس استثناءً عابراً ولا خللاً ظرفياً، بل ممارسة يومية ترسّخت كجزء ثابت من المشهد العام للمدينة.
أن تقرّر ركن سيارتك بنفسك، خارج منظومة «الفاليه باركينغ»، خيار بديهي في أي مدينة طبيعية. لكنه في بيروت يتحوّل سريعاً إلى تجربة كاشفة لفوضى منظّمة تُفرض بقوة الأمر الواقع، وتُدار بلا رقيب ولا حسيب، وكأن المدينة سُلِّمت بالكامل لمنطق السيطرة والابتزاز اليومي.
فالطرقات المحاذية للأرصفة لم تعد متاحة للمواطنين، بل تحوّلت إلى مساحات محجوزة بالقوة من قبل شركات الفاليه. يقف العاملون في الشارع لحجز أماكن لسيارة أو اثنتين، في تعدٍّ صارخ على الأملاك العامة، بحجة الحجز لـ «الزبائن». والنتيجة واضحة: سائقون عاجزون عن إيجاد مكان لركن سياراتهم، زحمة سير خانقة، وشوارع مشلولة، فقط لأن شركات خاصة قرّرت مصادرة الطريق العام.
تبحث بلا جدوى عن موقف، وتدرك سريعاً أن الاستغناء عن خدمة الفاليه ليس خياراً، بل مغامرة خاسرة، في مدينة بات فيها الحق العام امتيازاً مدفوع الثمن.
سلسلة انتهاكات
حين تُجبر أخيراً على اللجوء إلى هذه «الخدمة»، تكتشف أن ما يُسمّى «فاليه باركينغ» لا يقتصر على ركن السيارة، بل يتحوّل إلى سلسلة متكاملة من الانتهاكات.
فما إن تقترب بحذر لمحاولة الركن، حتى يقتحم العامل باب سيارتك من دون استئذان، في تصرّف يعرّض سلامتك وسلامة المركبة للخطر. وعندما تعود لاحقاً إلى سيارتك، تجد أن الأغراض داخلها قد عُبث بها: بعضها مبعثر، وبعضها مفقود، تحت الشعار الجاهز «نحن غير مسؤولين عن الأغراض داخل السيارة»، فيما تُترك وحيداً من دون أي جهة تحاسب أو مرجع تلجأ إليه.
يأخذ العامل مفتاح السيارة وعندما تستعيده يشير بيده إلى مكانها، لتذهب وتأخذها بنفسك، فتتحوّل «الخدمة» عملياً إلى شكل مقنّع من دفع بدل إشغال الطريق العام. وفي كثير من الحالات، تظهر خدوش أو أضرار طفيفة في السيارة، ما يفرض لاحقًا تلميعًا أو صيانة إضافية، من دون أن يعترف أحد بأي مسؤولية.
أما إذا صادف أن رُكنت سيارتك قرب المكان الذي تقصده، فتُمنح تلقائيًا صفة «VIP» من دون طلبك، ويُفرض عليك دفع مبلغ أعلى بكثير. تسأل عن التسعيرة، فيأتيك الجواب المستفز: «إدفع ما تريد». وما إن تدفع ما تراه مناسباً، حتى تبدأ الاعتراضات والضغوط وطلبات الدفع الإضافي، في تسعير مزاجي يكون فيه الزبون دائماً هو المخطئ.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض مواقف السيارات العامة، التي تلتزم نظرياً بالتعرفة الرسمية، باتت تقدّم خدمة «فاليه باركينغ» داخل الموقف نفسه، فتفرض على الزبون رسوماً إضافية فوق بدل ركن السيارة، ليجد المواطن نفسه يدفع مرتين: مرة لاستخدام الموقف، ومرة لقاء خدمة لم يطلبها أساساً.
خدمة قسرية
والأسوأ أن هذه المواقف لا تكتفي بذلك، بل تعمد أحياناً إلى ركن سياراتها في الشارع بدل إدخالها إلى داخل الموقف، ما يجعل العثور على مكان لركن السيارة بشكل مستقل شبه مستحيل. النتيجة واحدة: المواطن يُدفع قسراً إلى إدخال سيارته إلى الموقف وتسديد الرسوم، فيما يكون الشارع مكتظاً بالسيارات التابعة للموقف نفسه. ابتزاز يومي مزدوج، مرة بسبب غياب المكان، ومرة بسبب خدمة مفروضة بقوة الأمر الواقع.
قد يحاول البعض تبرير هذا الواقع بمنطق العرض والطلب، بحجة أن هناك من يدفع بلا اكتراث، وكأن الطريق العام ملك خاص. غير أن هذا التبرير ساقط من أساسه، لأن من يختار الاستغناء عن هذه الخدمة لا يُمنح خياراً فعلياً. فالشوارع تُقفل عمداً، والأماكن تُحجز بالقوة، والمواطن يُدفع قسراً إلى الخضوع لمنظومة غير قانونية.
وحتى محاولة الاستغناء عن «الفاليه» تتحوّل إلى عبث، إذ لا يجد السائق مكاناً يركن فيه سيارته بنفسه، بعدما صودرت الشوارع مسبقاً. وهكذا يتحوّل أي مشوار عادي إلى سلسلة من التوتر والمخاطر والضياع، لا لسبب سوى أن الدولة قررت أن تدير ظهرها، وتترك الفوضى تحكم المدينة بلا حسيب أو رقيب.
تعاميم بلا تطبيق
المفارقة المؤلمة أن محافظ بيروت أصدر تعميماً لتنظيم مواقف السيارات العامة، استقبله المواطنون بارتياح وأمل باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح. غير أن هذا الأمل سرعان ما تبخّر، إذ بقي التعميم بلا تطبيق فعلي على الأرض، ومن دون أي رقابة أو محاسبة للمخالفين، ليلتحق بسلسلة طويلة من القرارات التي لا تتجاوز حدود الورق.
والمشكلة لم تعد مالية فحسب، بل تجاوزت ذلك لتطال الخصوصية والسلامة والكرامة. فالسيارة، التي يُفترض أن تكون مساحة شخصية آمنة، تتحوّل إلى مجال مفتوح للعبث، والطريق العام يُصادَر، والمشاة يُقصَون، فيما تُدار الفوضى تحت مسمّى «الخدمة».
في المحصّلة، لم يعد «الفاليه باركينغ» في لبنان خدمة بالمعنى الطبيعي للكلمة، بل تحوّل إلى نموذج فاقع لانهيار الإدارة العامة وتخلّي الدولة عن أبسط واجباتها في حماية المواطنين. هذا الملف لا يحتاج إلى خطط معقّدة ولا إلى مجهود استثنائي، بل إلى قرار واحد بتطبيق تعميم موجود أصلاً، وإلى إرادة في فرضه على الجميع بلا استثناء.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: إلى متى ستبقى الدولة في موقع المتفرّج؟ وكيف يمكن الحديث عن نظام وقانون فيما تُدار الشوارع بمنطق الفوضى والابتزاز؟ وكما في معظم تفاصيل الحياة اللبنانية، يفتح غياب الدولة الباب أمام اقتصادٍ موازٍ يفرض نفسه بالقوة، ويسيطر على الناس وجيوبهم، سواء عبر شركات المولّدات الخاصة، أو شبكات توزيع المياه، أو حتى وسائل الإعلام. هكذا تصبح الفوضى، والقوانين غير المطبّقة، مجرّد تفصيل في لعبة أكبر يحكمها المال والنفوذ، فيما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة واقع مفروض لا خيار له فيه.
الفاليه باركينغ يمكن أن يكون خدمة مفيدة إذا خضع لتنظيم صارم، وحُميت الأملاك العامة من التعدّي، والتُزمت التعرفة الرسمية بوضوح، وفُرضت رقابة جدّية مقرونة بعقوبات فعلية على المخالفين. أمّا في واقعه الحالي، فلا هو خدمة ولا تنظيم، بل اقتحام للخصوصية، واستغلال فاضح للطريق العام، وإهانة يومية لحقوق المواطنين، تتحمّل الدولة وحدها مسؤولية استمرارها بتقاعسها عن القيام بواجباتها.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا