مدينة ضاقت بأهلها.. فاجعة في طرابلس ومئات الأبنية مهدّدة بالسقوط

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Feb 09 26|14:34PM :نشر بتاريخ

كتب نادر حجاز في منصة الترا صوت: 

في مأساة هي الثانية منذ مطلع العام، انهار مبنى سكني مؤلّف من ستة طوابق في منطقة باب التبانة المكتظة في مدينة طرابلس اللبنانية، بعد أقل من شهر على انهيار بناية أخرى في الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي في منطقة القبّة، ما أسفر عن سقوط ضحايا بينهم أطفال.

يعيد هذا الحادث ملف المباني المتصدّعة في لبنان إلى الواجهة، ولا سيما في طرابلس، حيث تنتشر مئات الأبنية القديمة التي يعود عمرها إلى عشرات السنين، من دون أن تخضع لأعمال ترميم أو تأهيل، في ظل غياب أي خطة رسمية لمعالجة هذه المشكلة بشكل جذري.

وفيما علت الأصوات المطالِبة بمحاسبة المسؤولين والمقصّرين، طلب وزير العدل عادل نصّار من المدّعي العام الاستئنافي في الشمال هاني الحجّار فتح تحقيق فوري لكشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وأكّد الحجّار لاحقًا مباشرة التحقيقات، عقب تواصله مع الوزير.

لا بدائل

تعكس أزمة الأبنية الآيلة إلى السقوط في طرابلس حال مدينة تعاني أوضاعًا اجتماعية ومعيشية متردّية، تجعل من سكانها فريسة للفقر والإهمال الرسمي، ليتحوّلوا إلى ضحايا أمرٍ واقع بات قاتلًا.

ويفرض الوضع الاقتصادي الصعب خيارات غير عادلة على الأهالي، بين البقاء في مبانٍ غير آمنة أو مواجهة التشرّد والعراء، في ظل غياب أي بدائل حقيقية.

تعكس أزمة الأبنية الآيلة إلى السقوط في طرابلس حال مدينة تعاني أوضاعًا اجتماعية ومعيشية متردّية، تجعل من سكانها فريسة للفقر والإهمال الرسمي، ليتحوّلوا إلى ضحايا أمرٍ واقع بات قاتلًا

تعيش آلاف الأسر تحت رحمة القدر والوعود السياسية، التي غالبًا ما تكون موسمية عشية الاستحقاقات الانتخابية، قبل أن تتبخّر مع إقفال صناديق الاقتراع. وعند وقوع الكارثة، يبدأ تقاذف المسؤوليات في مشهد شعبوي متكرر، يختصر مفارقة صارخة في مدينة تسجّل أعلى مستويات الفقر، وفي الوقت نفسه تضمّ أحد أكبر تجمعات كبار الأثرياء في لبنان.

"فلتسقط الحكومة"

تكرّر المشهد ليل الأحد – الاثنين، فمع سقوط المبنى وتسلّل أصوات الاستغاثة الخافتة من تحت الركام، سارع سياسيّو المدينة إلى وسائل الإعلام، محمّلين كامل المسؤولية لحكومة لا يتجاوز عمرها السنة، ومطالبين إياها بالاستقالة.

وعلى وقع هول الكارثة، استنفرت الوزارات المعنية وأجهزة الإغاثة، فيما عقد رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة مؤتمرًا صحافيًا أعلن خلاله وضع استقالته والمجلس البلدي بتصرّف وزير الداخلية أحمد الحجار. وكان الحجار قد زار موقع المبنى المنهار، معلنًا حال الطوارئ الحكومية، ومؤكدًا أن إجراءات عاجلة ستُتخذ، وأن مراكز الإيواء مؤمّنة، مع إعداد خطة لمعالجة واقع الأبنية المهدّدة في المدينة، والتي تُقدَّر بنحو ألف مبنى وفق مسوحات أولية.

وقال رئيس البلدية إن "طرابلس مدينة منكوبة في ملف الأبنية الآيلة للسقوط، وآلاف المباني مهدّدة بسبب الإهمال"، مضيفًا أن "هذا الموضوع يفوق قدرة بلدية طرابلس، وكل نقطة دم تسقط في المدينة هي في رقبة الدولة".

غياب المبادرات

يذكّر رئيس نقابة المالكين باتريك رزق الله، في حديث لموقع “الترا صوت”، بأن بلدية بيروت كانت قد حذّرت سابقًا من وجود نحو عشرة آلاف مبنى بحاجة إلى كشف هندسي، بعضها مهدّد بالانهيار. كما أعلنت بلدية طرابلس مؤخرًا عن وجود ثلاثمئة مبنى بحاجة إلى ترميم عاجل، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تقتصر على طرابلس، إذ إن مدينة صيدا في الجنوب تضم بدورها أبنية مهدّدة بالانهيار من دون أن يُحرّك أحد ساكنًا.

ويضيف رزق الله: "مجلس النواب لم يبادر ولا مرة إلى دراسة هذا الملف بجدّية. في كل مرة ينهار مبنى، يكتفي النواب والوزراء بإصدار بيانات استنكار وتحميل الدولة المسؤولية، وكأنهم خارجها، كما فعل نواب طرابلس. ثم يأتي اليوم التالي كأنه يوم آخر؛ فلا خلوات، ولا اجتماعات، ولا اقتراحات قوانين، ولا حكومة تقدّمت بمشروع قانون لمعالجة ملف الأبنية المهدّدة بالانهيار".

وعلى سبيل المثال، يقول رزق الله: "كان لافتًا تصريح الرئيس نجيب ميقاتي حول إلزام أصحاب المباني بالترميم، لكن السؤال هو: لماذا لم تبادر حكومته السابقة إلى أي خطوة في هذا الاتجاه؟ ولماذا لم يتقدّم نواب طرابلس بأي مبادرة لمعالجة هذه المشكلة؟ خلاف ذلك، فإن كل الادعاءات الأخرى تبقى بلا قيمة".

الإيجارات القديمة

ترتبط حوادث انهيار المباني في لبنان بشكل وثيق بملف الإيجارات القديمة العالق منذ الحرب الأهلية بين المالكين والمستأجرين القدامى، الذين استمروا لعقود بدفع بدلات إيجار رمزية تُحتسب على أساس سعر صرف الليرة اللبنانية ما قبل عام 1975. وقد أدّى هذا الواقع إلى مساواة المستأجر بالمالك فعليًا، فيما عجز الأخير عن استعادة أملاكه أو التصرّف بها.

ورغم إقرار قانون الإيجارات في البرلمان اللبناني، لا يزال تطبيقه موضع جدل وسجال، ما يفاقم الأزمة بدل معالجتها.

على وقع تكرار الحوادث المأساوية، تتصاعد المناشدات لإجراء مسوحات عاجلة وشاملة للأبنية القديمة والمتهالكة، في طرابلس وسائر المناطق. كما تُطالب هذه الأصوات الحكومة بصرف الاعتمادات المالية اللازمة لإخلاء الأبنية من السكان.

وفي هذا السياق، يقول رئيس نقابة المالكين باتريك رزق الله: "عدد كبير من المباني يعود إلى مالكين قدامى، كبّلت الدولة قدرتهم على الترميم طوال خمسين عامًا، وحرمتهم من أي زيادات على بدلات الإيجار، واليوم يُطلب منهم الترميم. فإذا كانت الدولة عاجزة، فكيف يستطيع المواطن القيام بذلك وهو لم يتقاضَ أي زيادات؟”.

ويضيف: "في الوقت نفسه، هناك حالات فعلية لأشخاص لا مأوى لهم، والدولة لا تقوم بأي خطوة لتأمين مراكز إيواء بديلة. نحن أمام دولة في حالة انهيار تام، ومن دون أي مبادرات منذ خمسة عقود، تُركت خلالها الأبنية لمصيرها، ومررنا بحروب عدة جعلت معظمها متصدعًا".

ويتابع رزق الله: "نناشد الدولة منذ سنوات التحرّك لمنع تكرار هذه المآسي. الجميع يتذكر كارثة بناية فسوح في الأشرفية عام 2012، ومنذ ذلك الحين ننتظر اقتراح قانون من النواب أو مشروعًا من الحكومات المتعاقبة، لكن شيئًا من ذلك لم يحصل أبدًا".

مسوحات عاجلة

وعلى وقع تكرار الحوادث المأساوية، تتصاعد المناشدات لإجراء مسوحات عاجلة وشاملة للأبنية القديمة والمتهالكة، في طرابلس وسائر المناطق. كما تُطالب هذه الأصوات الحكومة بصرف الاعتمادات المالية اللازمة لإخلاء الأبنية من السكان، بالتوازي مع تأمين مراكز إيواء بديلة، تمهيدًا لإطلاق ورشة ترميم أو هدم للأبنية غير الصالحة، ضمن خطة وطنية متكاملة.

"وينك يا بابا"؟

يدفع الأبرياء مجددًا ثمن إهمالٍ عمره سنوات، وكأن قدر الفقراء أن يسدّدوا الفاتورة من رغيف خبزهم المغمّس بالعرق والدم. هكذا اختصرت صرخة ذلك الأب، التي التقطتها عدسات الكاميرات، وهو جاثٍ فوق الركام مناديًا ابنه: "وينك يا بابا"، هول الفاجعة كما الحقيقة المرّة لأناس ضاقت بهم الدنيا، فقُتلوا مرّتين؛ مرّة بالإهمال، ومرّة حين عجز سقف منزلهم الهشّ عن حمايتهم.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : رصد ايكو وطن