طرابلس حزينة.. طرابلس مجروحة
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Feb 09 26|15:00PM :نشر بتاريخ
كتب محسن السقال في ايكو وطن:
مدينة تقدم أبناءها قرابين على مذبح الإهمال المزمن، والحرمان المتراكم، والفقر الذي ينهش تفاصيل الحياة اليومية، فالشهداء سقطوا لا بفعل القدر وحده، بل نتيجة سنوات طويلة من التقصير الرسمي وغياب الرؤية، فيما يعيش أبناء المدينة فاجعة تلو الأخرى، في مشهد بات مؤلما ومألوفا في آن معا.
كل كارثة جديدة في طرابلس ليست حادثا عابرا، بل جرس إنذار يفضح حجم الإهمال المتراكم، ويعيد تسليط الضوء على واقع إنساني واجتماعي متدهور، تدفع فيه المدينة وأهلها ثمن غياب الخطط الجدية والمعالجات الجذرية منذ عقود، وبينما تتكرر الانهيارات، يبقى المواطن وحده في مواجهة الخطر، بلا حماية، وبلا ضمانات، وبلا حد أدنى من الأمان.
إن المسؤولية عن الكوارث التي تضرب طرابلس لا تقع على طرف واحد، بل يتحملها مجتمِعين: الحكومات المتعاقبة، المسؤولون في الدولة، النواب الحاليون والسابقون أصحاب الأبنية، بعض المواطنين، وأعضاء المجالس البلدية السابقون والحاليون. ومع ذلك، لا بد من الإشارة “بوضوح من دون اي مسايرة لاحد لان الفاجعة كبيرة وكبيرة جدا”، إلى أن رئيس البلدية الحالي واعضاء المجلس والمحافظ ونقابة المهندسين يعملون بإمكانات شديدة التواضع في ملف بالغ الخطورة كملف الأبنية المتصدعة، وهو ملف يتطلب رصد مبالغ ضخمة تفوق قدرة البلدية، بل وقد تتجاوز قدرة الدولة نفسها في هذه المرحلة الدقيقة.
من هنا، تصبح المسؤولية اليوم جماعية وملحة، لا سيما على الحكومة مجتمعة، التي يقع على عاتقها التحرك الفوري لتأمين أماكن سكنية آمنة للأبنية الآيلة للسقوط، وبأقصى سرعة ممكنة، ودون أي تلكؤ، تفاديا لسقوط مبان أخرى فوق رؤوس مواطنين أبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في مدينة مهملة.
وبكل محبة وصدق، يبقى الرجاء ألّا تستغل دماء الشهداء الأبرياء في السياسة أو في بازار المزايدات اليومية، فطرابلس جريحة ولا تحتاج إلى خطابات، بل إلى أفعال، ولا تحتاج إلى استثمار في الوجع، بل إلى وحدة في الموقف.
المطلوب اليوم هو توحيد الجهود، ورفع الصوت عاليا، لوضع خطة متكاملة واضحة المعالم، ممولة من صندوق مفتوح: من الدولة أولا، ومن الخيرين ثانيا، ومن الدول الشقيقة والصديقة إن أمكن.
إن ما جرى ليس مجرد فاجعة عابرة، بل ملف وطني ثقيل يفرض نفسه على ضمير الدولة قبل أيّ جهة أخرى. فإخلاء الأبنية المتصدعة، وتأمين السكن البديل، ثم الشروع الجدي في ترميم ما يمكن ترميمه وبناء ما تهدم، لم يعد خيارا بل واجبا إنسانيا وأخلاقيا.
فطرابلس تستحق أن تعيش، وأبناؤها يستحقون الأمان، ودماء الشهداء أمانة في أعناق الجميع، فإما أن نواجه الحقيقة بخطة ومسؤولية، أو نستعد لفواجع جديدة لا سمح الله.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا