14 شباط: زمن القيادة الكبيرة

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Feb 15 26|09:56AM :نشر بتاريخ

كتب الدكتور وليد صافي في "الأنباء الالكترونية":

يستمد إحياء ذكرى تحرير الشحار قيمته الوجدانية من رمزية المكان الذي يحتضن مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي، الرمز الديني والأخلاقي في ذاكرة طائفة الموحدين الدروز. كما تكتسب الذكرى اهميتها السياسية من زمن القيادة الكبيرة، حين قاد الرئيس وليد جنبلاط معركة وجودية لا تقل أهمية عن الجهاد الذي خاضه السيد التنوخي دفاعاً عن الدعوة والوجود في مرحلة مفصلية من تاريخ الجبل القديم .

عرف وليد جنبلاط كيف يربط بين السياسة ورمزية المكان، فأطلق على تحرير الشحار اسم «عملية السيد عبدالله»، وأسند تنفيذها إلى قوات الشهيد كمال جنبلاط – جيش التحرير الشعبي. فكانت العملية استعادةً للحق والأرض، وإحياءً لرمزية دينية راسخة في وجدان الموحدين الدروز.

ويأتي إحياء الذكرى هذا العام تأكيداً على التمسك بالذاكرة الجماعية باعتبارها ركناً من أركان الهوية الوطنية والعربية . فالذاكرة ليست ترفاً، بل شرطاً لحماية التضحيات من الطمس، والوقائع من التزوير، وضمان حق الأجيال في معرفة تاريخها والدفاع عنه.

حقائق تحرير الشحار 

وتفرض هذه المناسبة التذكير بحقائق أساسية، خصوصاً في ظل محاولات القفز فوق الوقائع أو تشويهها . من هذه الحقائق أن الحدس السياسي الذي يمتلكه وليد جنبلاط دفعه إلى التعجيل بقرار تحرير الشحار، في ظل قناعته بأن شيئاً ما كان يخطط لمنع استكمال تحرير الجبل وإعادة مهجري الشحار إلى بيوتهم .

وقد تأكدت هذه القناعة عندما تبلّغ جنبلاط من حلفائه السوفيات أن وفداً عسكرياً أميركياً قدم إلى بيروت عن طريق قبرص ، وقام برفقة قائد الجيش آنذاك العماد إبراهيم طنوس بجولة على تلال البنيه ومطير عبيه، في إطار التخطيط لوصل محور قبرشمون بسوق الغرب، بهدف عزل منطقة الغرب الساحلي وبيروت.

كما أن فشل محادثات جنيف في أواخر عام 1983، التي جرت برعاية عربية وسورية، في التوصل إلى إنهاء الحرب، شكّل عاملاً إضافياً دفع نحو خيار التحرير، بوصفه قراراً سياسياً وعسكرياً لاستعادة الحق واستكمالاً لرسم ميزان القوى الجديد بعد تحرير القسم الأكبر من الجبل . 

في هذا السياق، أوفد احد القيادات العسكرية الكبيرة على وجه السرعة إلى موسكو لطلب الدعم العسكري. ونظراً للأهمية السياسية التي أولتها القيادة السوفياتية لدور وليد جنبلاط في ميزان القوى ومستقبل لبنان، تحرّكت موسكو سريعاً وأبلغت القيادة السورية بضرورة فتح مخازن الجيش السوري لتزويد الحزب التقدمي الاشتراكي بالسلاح اللازم، على أن يُعوَّض لاحقاً. فاستجاب حافظ الأسد، وبدأت قوافل السلاح تصل إلى الجبل.

 

٦ شباط محطة نحو تحرير الشحار  

التحالف القائم آنذاك بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل فرض نفسه في تلك المرحلة، فشكّل تحرك 6 شباط في بيروت خطوة استباقية مهّدت لتحرير الشحار. ويمكن اعتبار هذا التحرير محطة أساسية فتحت الطريق أمام قرار 28 نيسان 1985 بتحرير الإقليم، رغم معارضة القيادة السورية آنذاك.

ومن 6 شباط إلى 14 شباط، ثم إلى 28 نيسان ذكرى تحرير الاقليم ، تكرّس ميزان قوى جديد أسقط اتفاق السابع عشر من أيار وفتح طريق المقاومة إلى الجنوب. هذا التحول أعاد الجبل إلى قلب المعادلة الوطنية، وكان ثمرة خيارات سياسية واضحة للمختارة منذ الشهيد كمال جنبلاط وفي مقدّمها، التمسك بالموقف الثابت من الاحتلال الاسرائيلي والحفاظ على هوية طائفة الموحدين الدروز العربية والإسلامية . وارتكازاً إلى هذه الثوابت ، خاض وليد جنبلاط المواجهة في الجبل ضمن العمق الجغرافي الطبيعي الذي تمثله سوريا بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي فيها ، وبغطاء عربي واسلامي ودعم كبير من الحلفاء السوفيات الذين ساهموا بشكل اساسي في التدريب والتسليح .

وليد جنبلاط يصر على التحرير 

أما عسكرياً، فقد تطلّبت معركة تحرير الشحار تخطيطاً دقيقاً وسرياً، ومشاركة واسعة لمعظم القطاعات العسكرية في الحزب. ولعب احد الضباط الوطنيين الذي كان قائدًا لإحدى الكتائب في اللواء الرابع ( بعد اتصالات سرية جرت معه من قبل زملاء له التحقوا بالحزب وكانت لهم مواقع عسكرية قيادية في تلك المرحلة ) دوراً مهماً في تمكين الجيش الشعبي الذي تسلل من جسر القاضي من تحييد مواقع أساسية للواء في مطير عبيه.

واجهت المعركة صعوبات ميدانية كبيرة، واستخدم الجيش الطيران وارسل تعزيزات عبر مرفأ الجية، وفي اللحظة التي كانت القيادة تدرس الخيارات المتاحة امام هذه الصعوبات نقل مسؤول حزبي رسالة من الرئيس وليد جنبلاط مفادها "ممنوع التراجع عن تحرير الشحار" . ارسلت تعزيزات ميدانية على الفور، وخلال ساعات تغير الموقف على الارض ، وكان لارادة القادة الميدانيين والمقاتلين ومدفعية الحزب والجيش السوري الدور الأساسي في أحداث الخرق الحاسم على محاور التقدم، فتم تحرير مقام السيد عبدالله وبلدات الشحار. وبعد الظهر واستغلالاً لنجاح العملية جرى التقدم نحو مجرى نهر الدامور بتغطية من مدفعية الحزب، رغم الإنذارات الأميركية المتكررة لعدم بلوغ مجرى النهر.  

١٤ شباط محطة لحماية الذاكرة الجماعية 

في هذه الذكرى، تُستعاد التضحيات بتقدير واحترام، وتُوجَّه التحية إلى الشهداء والجرحى والمقاتلين من ضباط ورتباء وجنود جيش التحرير الشعبي، وإلى الضباط والعسكريين الوطنيين من "تجمع حمانا" الذين ساهموا في هذا التحرير، وإلى كل الذين شاركوا دفاعاً عن الأرض والكرامة.

إن إحياء ذكرى تحرير الشحار ليس مناسبة لنكء الجراح، بل محطة لتثبيت المصالحة الوطنية التي جرت في المختارة برعاية المغفور له البطريرك مار نصرالله صفير والرئيس وليد جنبلاط ، محطة، للانفتاح على المستقبل والاستمرار في دعم الدولة والجيش في استعادة قرار السلم والحرب وحصر السلاح بيدها. الذكرى هي أيضاً رسالة سياسية إلى الأجيال الصاعدة: تمسّكوا بهويتكم، واحفظوا ذاكرتكم الجماعية، واقرؤوا تاريخكم بوعي. فالشعوب التي تصون ذاكرتها وتحمي هويتها ، تصون مستقبلها.

مع وليد وتيمور جنبلاط نعبر إلى المستقبل 

وليد جنبلاط، ستبقى الصخرة التي تتكسر عليها كل مشاريع الانفصال ومحاولات تدمير هوية الدروز وإبعادهم عن محيطهم العربي والإسلامي، كنت عنواناً لزمن القيادة الشجاعة والمسؤولة ، واليوم تثبت أنك عنوان القيادة الحكيمة. معك، ومع الرفيق تيمور، يُبنى المستقبل من دون التفريط بالماضي وتضحياته وإرثه السياسي. 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الأنباء الالكترونية