خاص ايكووطن: الرابطة القلمية: مشروع نهضة لا مشروع حدود
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
May 23 26|11:19AM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
عاد الجدل مؤخرًا حول هوية أدباء “الرابطة القلمية” بعدما أُعيد تثبيت توصيف عدد من أعضائها بوصفهم من أصول لبنانية في أحد النُّصب التكريمية في نيويورك. وسرعان ما تحوّل النقاش من قراءة تاريخية إلى سجال هوياتي متوتر، وكأنّ قيمة هؤلاء الأدباء باتت تُقاس بالخرائط السياسية أكثر مما تُقاس بما تركوه من أثر أدبي وفكري.
غير أنّ التعامل المنصف مع هذا الملف يقتضي العودة إلى السياق التاريخي الذي عاش فيه هؤلاء الكتّاب، لا إلى حساسيات الحاضر. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم تكن المنطقة تُقرأ بالحدود السياسية الحالية، بل ضمن فضاءات متداخلة مثل “بلاد الشام” و”سورية” و”متصرفية جبل لبنان”، في ظل الدولة العثمانية. ولذلك فإنّ إسقاط المفاهيم القومية الحديثة على تلك المرحلة يقود غالبًا إلى قراءة متشنجة أكثر منها قراءة تاريخية دقيقة.
ولو عاد أي باحث إلى السير الذاتية لأبرز وجوه “الرابطة القلمية”، لوجد أنّ غالبية أعضائها المعروفين وُلدوا ونشأوا في مناطق لبنانية واضحة المعالم. فـ جبران خليل جبران وُلد في بشري وعاد إليها بعد موته بناء على وصيته، وميخائيل نعيمه وُلد في بسكنتا وبقي مرتبطًا بها حتى سنواته الأخيرة، فيما خرج أمين الريحاني من الفريكة إلى العالم حاملاً أثر بيئته وثقافته. ويضاف إليهم إيليا أبو ماضي ورشيد أيوب وغيرهما من الأسماء التي يصعب فصلها عن التكوين اللبناني ثقافيًا وجغرافيًا.
وفي الوقت نفسه، لم تكن الرابطة إطارًا لبنانيًا مغلقًا، بل ضمّت أدباء من مدن سورية أيضًا، مثل عبد المسيح حداد ونسيب عريضة، وأسهم هؤلاء في صياغة مناخها الفكري والصحافي والأدبي. وهذا ما يجعل “الرابطة القلمية” أقرب إلى مشروع ثقافي مشرقي جمع أبناء الهجرة العربية في نيويورك حول اللغة العربية والنهضة الأدبية، لا حول العصبيات المحلية الضيقة.
كما أنّ الجدل الحالي يتجاهل طبيعة التصنيفات الإدارية السائدة آنذاك. فسجلات الهجرة الأميركية، ولا سيما في جزيرة إيليس، كانت تُدرج كثيرًا من المهاجرين القادمين من جبل لبنان تحت صفة “Syrian”، لأنّ الولايات المتحدة كانت تعتمد تسمية “سورية” للدلالة على القادمين من بلاد الشام عمومًا. وفي المقابل، سُجل بعضهم أيضًا بوصفهم “Ottoman” أو “Turkish” بحكم حملهم أوراقًا عثمانية. وقد تناولت هذه المسألة دراسات متخصصة في أدب المهجر العربي، منها أبحاث الناقد الفلسطيني عيسى بلاطة، وعدد من المراجع المتعلقة بتاريخ الهجرة العربية إلى الأميركيتين.
ومن هنا، فإنّ استعمال كلمة “سوري” في الوثائق القديمة لا ينفي لبنانية عدد كبير من هؤلاء الأدباء، تمامًا كما أنّ الاعتراف بلبنانيتهم لا يلغي انتماءهم إلى فضاء ثقافي مشرقي أوسع. فالمشكلة ليست في التاريخ نفسه، بل في محاولات توظيفه داخل سجالات معاصرة تبحث عن انتصار رمزي أكثر مما تبحث عن فهم الحقيقة.
واللافت أنّ أدباء الرابطة أنفسهم كانوا أبعد من هذه الانقسامات. فقد انشغل جبران خليل جبران بأسئلة الإنسان والحرية والروح، وكتب ميخائيل نعيمة عن الحكمة والتحرر الداخلي، فيما سعى أمين الريحاني إلى بناء جسور فكرية بين الشرق والغرب. ولم يكن مشروعهم الأدبي قائمًا على ترسيم الحدود السياسية، بل على تحرير الإنسان العربي من الجمود والانغلاق وإدخاله في أفق فكري جديد.
في رأيي، لا يمكن نزع الصفة اللبنانية عن غالبية أعضاء “الرابطة القلمية”، لأنّ الوقائع والسير الذاتية والجغرافيا الثقافية تؤكد ذلك بوضوح. لكنّ تحويل المسألة إلى معركة هوياتية مفتوحة يفقد النقاش قيمته الفكرية، ويختزل أدباء كبارًا في نزاع ضيق لم يكتبوا يومًا من أجله.
فالرابطة القلمية لم تكن مشروع حدود، بل مشروع نهضة. وأعضاؤها لم يكونوا حرّاس خرائط، بل حرّاس كلمة. ولهذا فإنّ أفضل طريقة لتكريمهم اليوم لا تكون بالمزايدة على هوياتهم، بل بإطلاق مشاريع ثقافية مشتركة تُعيد قراءة أدب المهجر بروح علمية وإنسانية؛ كمكتبات رقمية توثق أعمالهم ورسائلهم، ومعارض أدبية مشتركة، وبرامج جامعية تُعرّف الأجيال الجديدة إلى القيمة الفكرية التي مثّلها هؤلاء الكتّاب في تاريخ الأدب العربي الحديث.
وربما كانت المأساة الحقيقية أنّ كتّابًا حاولوا توسيع أفق الإنسان العربي صاروا اليوم مادة لتضييق الأفق نفسه. بينما كان الأجدر بنا أن نقرأهم كما أرادوا لأنفسهم: أدباء نهضة، حملوا أوطانهم الصغيرة في قلوبهم، لكنهم كتبوا للإنسان في كل مكان.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا