قمة الناتو في تركيا: محطة مفصلية

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jul 06 26|12:49PM :نشر بتاريخ

كتب الدكتور ناصر زيدان في المدن:

قد تكون قمة قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو" في تركيا؛ من أهم الاجتماعات التي عقدها الحلفاء منذ خمسةٍ وسبعين عاماً، ذلك أن مخاطر كبيرة تواجه الغرب، من الداخل، ومن الخارج، ولم يسبق أن حصل بين الشركاء من تباعُد كما هو عليه الحال اليوم. والأجواء مُهيئة لزيادة منسوب التبايُن، أو ربما لظهور خلافٍ كبير، برُغم التحضيرات الواسعة التي جرت لتوفير مناخ ملائم لنجاح القمة، لا سيما منها الاتصالات التركية المباشرة مع اثنتين وثلاثين دولة عضوة، خصوصاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يخفِ كون موافقته على الحضور جاءت استجابةً لطلب صديقة الرئيس رجب طيب أردوغان.

 

تدوير زوايا بين أميركا وأوروبا

أمين عام الحلف مارك روتّه بذل جهوداً مُضنية في الأيام الماضية لتدوير الزوايا، ولتقليص مساحة الاختلاف بين الأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية، وهو أعلن عن إمكانية وصول صفقات شراء الأسلحة من المصانع الأميركية إلى ما يزيد عن ثلاثمئة مليار دولار في السنتين القادمتين، مما اعتبره بعضهم بمثابة الإغراء المالي للرئيس الأميركي، وهذا الأخير لم يتوانَ أيضاً عن القول: أن بلاده دفعت ما يقارب تريليون دولار خلال السنوات العشر الماضية كمساهمة في ميزانية الحلف، من دون أن يكون لهذا المبلغ أي فائدة. وروتّه التقى ترامب في السادس والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي واعترف أمامه بالخلل الكبير في الإنفاق، وبأن واشنطن تتحمَّل أعباء تغطية هذا الاختلال. وقد اعتبر بعض المتابعين من أوروبا؛ أن تصريحات روتّه بمثابة التملُّق والمُجاملة، والشركاء الأوروبيون لا يوافقون على غالبية ما جاء فيها.

 

تحديات وازنة

أمام قمة أنقرة مجموعة من التحديات الوازنة؛ فهي تحاول استعادة مجرى التعاون المفقود، بينما التبايُن كبير بين موقف الجانب الأميركي والجانب الأوروبي في الحلف، لا سيما حول مسألة الإنفاق المالي، وحول التصنيع العسكري، وحول مجرى الحرب في أوكرانيا، ناهيك عن النفور الذي سببته الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، ومن دون التنسيق مع الشركاء في الحلف، ومن بينهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي (فرنسا وبريطانيا) ومعهم ألمانيا التي تمثل القارة في المجلس منذ سنوات. والرؤى الترامبية لا تتطابق مع توجهات غالبية دول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلَّق بالموقف من روسيا. فواشنطن تحاول الإبقاء على التواصل مع موسكو، وتجديد مبادرتها لتسوية النزاع، بينما صقور أوروبا يضغطون في الميدان بواسطة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنيسكي لتقويض التفوُّق الروسي، وهؤلاء لا يوافقون على غالبية ما ورد في مبادرة الرئيس ترامب للحل، التي أعلنها بعد اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بألاسكا في آب/ أغسطس 2025.

الرئيس الأوكراني سيحضر اجتماع القمة كضيف مراقب، وقد تكون الفرصة مُهيأة لتخفيف منسوب الاندفاعة الدموية التي تُخيِّم على الحرب، لأن زيلينسكي هو ذاته أعلن عن توسيع المواجهة مع روسيا لتطال مرافق حيوية، وأماكن بعيدة عن جبهات القتال، وقد أطلق على العملية "أربعون يوماً من المواجهة لإجبار روسيا على إنهاء الحرب" وقد شجَّعه على ذلك مجلس الاتحاد الأوروبي الذي انعقد في بروكسيل، ومده بدعم مالي سخي (3,5 مليار يورو كدفعة أولى) وزودته بريطانيا بصواريخ متطورة بعيدة المدى، وذات فعالية كبيرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان قد أطلق بعض التصريحات المتعاطفة مع زيلينسكي في قمة الدول الصناعية السبع في فرنسا، وربما كان ذلك من باب المجاملة لحلفائه الأوروبيين، لأن واشنطن لم تُعلن رسمياً تخليها عن مبادرتها السلمية لوقف الحرب في أوكرانيا، وموسكو ما زالت تنتظر زيارة المبعوثين الرئاسيين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف لمتابعة حلقات المبادرة. أما الجانب الأوروبي الذي قبل في قمة مدريد للعام 2022 إدراج الصين كدولة تُثير التحدي، وبناءً على طلب الإدارة الأميركية حينها؛ فهو يعمل على إقناع الحليف الأميركي؛ أن روسيا تشكل الخطر الداهم على الحلف، ولا بد من إعطاء الأولوية لهذا الهدف.

 

أهمية قمة أنقرة

قد تتجاوز قمة أنقرة بأهميتها كل الاجتماعات التي عقدها الحلفاء منذ قمة واشنطن التأسيسيةفي الرابع من نيسان/ أبريل 1949. وتجاوز الخلافات الوازنة بينهم ليست مسألة تفصيلية، لا من الناحية المالية ولا من ناحية الأولويات الاستراتيجية. فالرئيس ترامب يُصرُّ على تطبيق قرار الوصول إلى إنفاق خمسة في المئة من الدخل القومي لكل دولة عضوة في الحلف على الشأن الدفاعي. وحلفاؤه لا يعترفون له بفضل حماية أوروبا كما يدَّعي، وهم يعدُّون العدَّة لتوفير مظلة حماية لا تعتمد على القوة الأميركية، برغم أنهم يعترفون بعدم وجود قدرة صناعية أوروبية كافية لإنتاج كل وسائل الدفاع، وهم يحتاجون للسلاح النوعي الأميركي المتطور.

وزير الدفاع التركي يشار جولر الذي تابع كل مفاصل التحضير للقمة، قال: أن الحلف جاهز للتكيُّف مع المتغيرات الكبيرة الحاصلة، وأن أميركا لا تسعى للانسحاب من الناتو. لكن أنقرة ستحاول الاستفادة من انعقاد القمة على أراضيها – وهي قد تكون الأخيرة بحضور الرئيس ترامب – للحصول على موافقة الحلفاء بتزويدها بمنظومة الدفاع الجوي الأميركية والأوروبية الحديثة، كما أنها تحاول تسويق منتجاتها العسكرية التي أثبتت فعالية هامة، خصوصاً منها الطائرات والمُسيّرات.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : المدن