وليد جنبلاط… قراءةٌ سبقت الجميع

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jul 10 26|16:51PM :نشر بتاريخ

كتبت فانيسا سمعان في "المدن":

ليست أهمية موقف الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط من "اتفاق الإطار" في كونه معارضاً للاتفاق فحسب، بل في توقيته، ومنطلقاته، والوقائع التي تتراكم تباعاً لتمنحه مزيداً من الصدقية.

فمنذ الأيام الأولى، لم يتعامل جنبلاط مع الاتفاق بوصفه إنجازاً تفاوضياً، بل رأى فيه مساراً ينطوي على مخاطر جوهرية. وسرعان ما انتقل من توصيفه اتفاقاً ثلاثياً إلى اعتباره عملياً "إطاراً إسرائيلياً أحادياً"، في موقف بدا الأكثر تأثيراً في الرأي العام اللبناني، والأكثر إرباكاً لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.

يكتسب هذا الموقف ثقله من عدة عوامل. فجنبلاط لم ينطلق من موقع الثنائي الشيعي، ولم يتقاطع مع اعتراضاته السياسية، بل قدّم قراءة مستقلة، تستند إلى قراءة سلوك إسرائيل السياسي والعسكري. لذلك، بدا من الصعب اختزال ملاحظاته في إطار المناكفات الداخلية، رغم المحاولات المتكررة لدفعها إلى هذا الاتجاه.

واللافت أن جنبلاط لم يدعُ إلى إسقاط الاتفاق، ولم يخض حملة شعبوية ضده. بل قال بوضوح، بعد أيام قليلة على توقيعه في واشنطن: "لن أدعمه، ولكنني لن أنضم إلى أي تحالف لإسقاطه". ثم أضاف العبارة الأكثر دلالة: "مستعد لمساعدة الدولة إذا أرادت إعادة النظر فيه".

كانت تلك بمثابة دعوة إلى التصويب لا إلى المواجهة، إلا أن اليد التي مدّها إلى بعبدا والسراي بقيت، على ما يبدو، من دون استجابة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في المقابلة الأخيرة لرئيس الحكومة نواف سلام، عندما واجهه الإعلامي ألبير كوستانيان بما اعتبره "تسخيفاً" لاتفاقية الهدنة. فسلام يعرف، كما يعرف رئيس الجمهورية، أن جنبلاط لا يستحضر اتفاقية الهدنة للحديث عن تفاصيلها العسكرية أو التقنية، بل عن جوهرها القانوني والسيادي.

فهي الاتفاقية الأممية الوحيدة التي تنظّم العلاقة القانونية بين لبنان وإسرائيل، وتنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتؤكد أن خط الهدنة يستند إلى الحدود الدولية المعترف بها، ولا تمنح إسرائيل أي حق في إقامة حزام أمني أو مناطق عازلة داخل لبنان، كما لا تنتقص من الحقوق القانونية والسياسية للبنان. ولهذا، لم يكتف جنبلاط بطرح موقفه، بل واجه الرئيسين بما سبق أن أعلناه هما نفسهما.

 

اتفاقية الهدنة كأحد مرتكزات الطائف

ففي منشوره على منصة "إكس"، ذكّر بأن اتفاقية الهدنة ليست مرجعية تاريخية فحسب، بل تشكل أحد مرتكزات اتفاق الطائف، والقرار الدولي ألف وسبعمئة وواحد، كما أنها حضرت صراحة في خطاب القسم للرئيس جوزاف عون عندما تعهد ببناء دولة "تستثمر في جيشها ليحترم اتفاقية الهدنة". وذكّر أيضاً بالبيان الوزاري لحكومة نواف سلام الذي نص على بسط سلطة الجيش ضمن الحدود المعترف بها دولياً حسبما ورد في اتفاقية الهدنة. بل أعاد التذكير كذلك بتصريح الرئيس عون في نيسان الماضي، عندما تحدث عن السعي إلى اتفاق مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة. بمعنى آخر، لم يكن جنبلاط يواجه السلطة بشعارات جديدة، بل بكلامها هي.

 

مقاربة تتجاوز السياسة

ولعل ما منح موقف الحزب التقدمي الاشتراكي بعداً إضافياً هو أنه لم يقتصر على الخطاب السياسي، بل تُرجم في مذكرة قانونية وعلمية سلّمها وليد جنبلاط إلى شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز  الدكتور سامي أبي المنى والمجلس المذهبي، الذي كشف لاحقاً مضمونها.

المذكرة تُحذّر من أن "اتفاق الإطار" يُحدث تحولاً جذرياً في تعريف الصراع اللبناني - الإسرائيلي. فبدلاً من أن يكون الاحتلال الإسرائيلي أصل المشكلة، يصبح السلاح داخل لبنان هو محور الأزمة، ويتحول الانسحاب الإسرائيلي من واجب قانوني غير مشروط إلى خطوة مرتبطة بمدى تنفيذ لبنان التزاماته الأمنية.

وترى المذكرة أن الاتفاق يتجاوز أيضاً اتفاقية الهدنة، واتفاق الطائف، والقرار ألف وسبعمئة وواحد، وحتى تفاهم وقف الأعمال العدائية الصادر في تشرين الثاني 2024، عبر منح الولايات المتحدة دوراً تنفيذياً واسعاً في التحقق والإشراف، وربط إعادة الإعمار والمساعدات بالمسار الأمني، ووضع قيود قد تحد من قدرة لبنان على ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام المحافل الدولية.

أما الخلاصة الأخطر، فهي أن فعل الاحتلال يتحول من مخالفة للقانون الدولي إلى ورقة تفاوضية قابلة للمساومة.

مع ذلك، لم يغلق جنبلاط باب المعالجة، بل أبقى المسؤولية في عهدة الدولة، فيما تشير المعلومات إلى أنه ونجله تيمور جنبلاط عمّما على نواب الاشتراكي ومسؤوليه الامتناع عن الدخول في سجالات سياسية حول الاتفاق، والاكتفاء بعرض الملاحظات المبدئية.

 

عندما تتكلم الوقائع

اليوم، لا يبدو أن الإحراج يأتي من انتقادات جنبلاط بقدر ما يأتي من الوقائع نفسها. فقد نقلت "الجزيرة" عن مسؤول لبناني أن الدولة كانت ترفض نقل المفاوضات إلى روما، معتبرة أن ذلك يتيح لإسرائيل الاستفراد بالوفد اللبناني. لكن هذا الرفض لم يلبث أن تبدل، وها هو الوفد يستعد للتوجه إلى روما، فيما يحاول المسؤولون تبرير هذا التراجع.

وفي المقابل، تستمر التصريحات الإسرائيلية في تأكيد الهواجس التي طرحها جنبلاط منذ البداية.

فبعد أسبوعين على توقيع الاتفاق، لا يزال بنيامين نتنياهو ووزراؤه يؤكدون أن إسرائيل ستبقى في الحزام الأمني "طالما اقتضت الحاجة". ولا تزال فكرة "المناطق التجريبية" حبراً على ورق. كما يحرص نتنياهو، في اتصالاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على التشديد على ضرورة الحفاظ على الحزام الأمني داخل الأراضي اللبنانية، فيما تتواصل الاعتداءات الميدانية، ومن بينها المجزرة التي استهدفت المربية اسبيرانزا غندور وعائلتها خارج الخط الأصفر.

في المحصلة، لا تُقاس المواقف بالنوايا، بل بما تثبته الوقائع. وحتى الآن، تبدو الوقائع أقرب إلى القراءة التي قدمها وليد جنبلاط منها إلى الرهانات التي رافقت "اتفاق الإطار".

ويأتي ذلك فيما تُعرض حلقات جنبلاط في "شاهد على العصر"، حيث يستعيد الرجل تجربته الطويلة مع إسرائيل، ويكرر أن حكومة نتنياهو الحالية لا تخوض حرباً أمنية فحسب، بل حرباً ذات أبعاد توراتية، تستحضر روايات عماليق ويشوع، وتستند إلى رؤية توسعية تتجاوز الاعتبارات العسكرية التقليدية.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : المدن