هل نقيس الرأي العام… أم نصنعه؟
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : د. نهى الغصيني
May 26 26|15:49PM :نشر بتاريخ
كتبت الدكتورة نهى الغصيني في إيكو وطن:
في الدول المستقرة تُقرأ الاستطلاعات لفهم المجتمع. في المجتمعات الهشة المنقسمة كلبنان، قد تتحوّل — حين تُستهلَك دون تدقيق — إلى عامل يُعيد تشكيل المجتمع ذاته.
لم يكد ينتهي بث الحلقة التلفزيونية حتى كانت الأرقام تتناسخ على محطات أخرى ومنصات التواصل الاجتماع: "49% من اللبنانيين يؤيدون اتفاقاً مع إسرائيل"، "الشيعة 92.9% ضد التفاوض"، "الدروز الأكثر تأييداً للتطبيع". عناوين حادة، أرقام قاطعة، وجمهور واسع لم يسأل ولو مرة واحدة: كيف سُئل الناس؟ من موّل الدراسة؟ وهل تسمح المنهجية أصلاً بهذا المستوى من التعميم؟
الاستطلاع الذي أصدرته شركة الدولية للمعلومات في أيار 2026 حول "اللبنانيين بين رفض إسرائيل وقبول التفاوض"، أصبح في غضون أيام مادةً ثابتة في كل حلقة سياسية. يبدو في عرضه البصري مهنياً، وحجم عينته — 2,000 شخص — مقبول. لكن الطريقة التي انتقل فيها من بيانات إلى استنتاجات، ومن استنتاجات إلى "حقائق وطنية" متداولة، تستحق وقفة نقدية جدية.
1. الرقم الذي لا يساوي نفسه
وصف الاستطلاع عينته بأنها "توزعت بشكل تناسبي على مختلف المناطق والطوائف"، وهذا صحيح من حيث النسب السكانية. لكن التناسب يخفي بداخله اختلالاً رياضياً يُفسد أي مقارنة مباشرة بين الطوائف: كل نقطة مئوية لا تحمل الوزن نفسه وهامش الخطأ لا يساوي نفسه في كل فئة.
قيمة صوت واحد* هامش الخطأ حجم العينة (تقريبي) الطائفة
1.8% ±4.1% ~558 شخصاً شيعة (27.9%)
1.8% ±4.1% ~558 شخصاً سنة (27.9%)
2.3% ±4.7% ~426 شخصاً موارنة (21.3%)
8.7% ±9.1% ~114 شخصاً دروز (5.7%)
14.7% ±11.8% ~68 شخصاً أرمن (3.4%)
55.5% ±23% ~18 شخصاً علويون (0.9%)
* قيمة الصوت الواحد = نسبته المئوية داخل الفئة. كلما صغرت العينة كان كل صوت أكثر تأثيراً على النسبة النهائية.
الخلاصة الإحصائية: حين تُقارن الدراسة موقف العلويين (18 شخصاً) بموقف الشيعة (558 شخصاً) وتضعهما جنباً إلى جنب في رسوم بيانية متساوية، فإنها تتجاهل أن كل صوت علوي واحد يؤثر في النسبة بمقدار ثلاثين ضعف تأثير كل صوت شيعي. هذه مقارنة مُضلِّلة منهجياً، حتى لو كانت غير مقصودة.
2. نسبة الـ 26% التي لا يراها أحد
أشارت الدراسة في هامش منهجي عابر إلى أن نسبة الرفض بلغت 26%. أي أن واحداً من كل أربعة أشخاص طُرق بابه رفض المشاركة. في معايير البحث الاجتماعي، هذه نسبة مرتفعة تستوجب تحليلاً خاصاً، لا ذكراً عابراً.
السؤال الغائب كلياً: من هم الرافضون؟ هل ينتمون بنسبة أعلى إلى طوائف بعينها؟ هل هم الأكثر خوفاً أو الأكثر قناعة؟ هل حساسية الأسئلة الأمنية كانت دافعاً للامتناع؟ غياب هذا التحليل يُشكّك في تمثيلية العينة.
ليس الخطر في أن تكون نتائج الاستطلاع خاطئة. الخطر يبدأ حين تتحوّل الاستطلاعات إلى أداة لتحديد ما يجب أن يفكر به الناس، لا ما يفكرون به فعلاًً.
3. من الإحصاء إلى التوجيه السياسي — قفزة بلا مظلة
ثمة فارق جوهري في البحث الاجتماعي بين وصف ما تقوله الأرقام وتفسير لماذا تقوله. الأول شأن إحصائي. الثاني يحتاج — وفق المعايير الأكاديمية — إلى أدوات إضافية: مقابلات معمّقة، تحليل نوعي، نماذج تفسيرية محكمة.
غير أن المقدمة التحريرية للدراسة اعتبرت أن رفض الشيعة للتطبيع مردّه "التعب الجماعي والخوف وانعدام الثقة بالمستقبل" لا القناعة المبدئية والموقف السيادي. هذا الانتقال — من رقم 92.9% إلى تأويل نفسي اجتماعي — ليس نتيجة إحصائية، بل خيار تفسيري يحمل تبعات سياسية واضحة:
الموقف المبدئي السيادي يعني: الرفض قناعة راسخة لا تتفاوض.
الموقف النفسي التعبي يعني: الرفض حالة مؤقتة قابلة للتغيير والتليين.
الفارق بين التفسيرين هائل — وهو رهان سياسي بامتياز على مستقبل لبنان.
تُقرّ الدراسة نفسها في مقدمتها بأن "اللبناني لا يُختزل بالطائفة وحدها". لكن هل التزم التحليل اللاحق بهذا الإقرار، أم أنه عاد ليختزل النتائج في إطار طائفي؟ هذا السؤال يظل بلا جواب واضح.
يُضاف إلى ذلك أن الاستطلاع أُجري في ذروة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في أيار 2026، وهذا التوقيت ليس حيادياً. يُبرز الاستطلاع القفزة من 25% إلى 49% في تأييد اتفاق سلام مع إسرائيل خلال عام واحد، دون أي تحقق من أثر الضغط الإعلامي لحظة إجراء الاستطلاع، ودون مقارنة مع صياغة السؤال عام 2025.
4. إعلام يُذيع ولا يُدقّق
المشكلة لا تقف عند الاستطلاع وحده، بل عند الطريقة التي يتلقف بها الإعلام اللبناني هذه الأرقام. حين تعرض محطة تلفزيونية نسبة مئوية بمعزل عن هامش خطئها وحجم عينتها وسياق سؤالها، فإنها تُحوّل استنتاجاً ظرفياً إلى حقيقة راسخة في الوجدان اللبناني العام.
في بلد لم يُجرِ إحصاءً سكانياً رسمياً منذ عام 1932، يُصبح اعتماد التوزيع الطائفي مدخلاً بالغ الحساسية؛ ليس لأن دراسة التنوع اللبناني خطأ، بل لأن تحويل الطوائف إلى الإطار التفسيري شبه الوحيد يُعيد إنتاج الانقسامات بدل فهمها. وحين تُبثّ النتائج كعناوين من نوع: "الطائفة الفلانية تؤيد — الجماعة الفلانية ترفض"، نُعيد اختزال اللبنانيين إلى كتل مغلقة متجانسة، فيما الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما تصوّره الأرقام.
الأخطر أن الأرقام تمنح انطباعاً بالقوة العلمية حتى حين تكون بعض المقارنات أقل متانةً مما تبدو عليه.
في مجتمع هش كالمجتمع اللبناني، حيث الهويات الطائفية حساسة والثقة بالمؤسسات مُنهَكة، يمكن لأرقام غير موثقة أو مُؤوَّلة بإنتقائية أن تُغذي الاستقطاب، وتُرسّخ صورة مجتمعية مشوهة عن مواقف الجماعات الأخرى. هذا ليس ترفاً فكرياً، بل خطر على السلم الأهلي.
5. اللبنانيون يعيشون أزمتهم في مكان آخر
ثمة مفارقة مؤلمة تكشفها أرقام الدراسة نفسها حين تُقرأ بعيداً عن العناوين: نحو نصف اللبنانيين يفتقرون إلى تغطية صحية، الخدمات الأساسية منهارة، البطالة مرتفعة، الهجرة لا تتوقف، وفكرة الدولة ذاتها في تآكل مستمر.
هذا الخيار في تضخيم موضوع إسرائيل والتطبيع على حساب الأولويات المعيشية هو بحد ذاته خيار تحريري لا بحثي، يستحق التأمل في دوافعه. حين يُصرف المجتمع عن أسئلة المعيشة إلى أسئلة الهوية والجغرافيا السياسية، يبقى الانهيار بعيداً عن الضغط الشعبي الحقيقي. والإعلام الذي يُكرّر أسئلة الاستطلاع - دون نقد أو تقييم- يُسهم في هذا الخلل، بينما المسؤولية الإعلامية هي الخط الفاصل بين إعلام يخدم المجتمع وإعلام يُدير وجهته.
أخيراً، حرية النشر لا تعفي من مسؤولية التفسير
الاستطلاعات أدوات — كأي أداة يمكن أن تُضيء وأن تُعمي. وحرية البحث العلمي قيمة جوهرية يجب صونها. لكن حرية النشر لا تعفي من مسؤولية التفسير، كما لا تعفي الإعلام من واجب التحقق قبل أن يُحوّل الأرقام إلى عناوين، والعناوين إلى قناعات عامة.
الديمقراطية لا تُختزل بالأرقام، والرأي العام لا يُقاس فقط بما يُقال في لحظة تعب أو خوف أو انقسام.
في بلد كلبنان، يصبح السؤال الجوهري ليس في نتائج الاستطلاعات، بل: هل تساعد طريقة عرضها على فهم المجتمع… أم على دفعه إلى مزيد من الانقسام؟
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا