افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الجمعة 29 مايو 2026

الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
May 29 26|06:17AM :نشر بتاريخ

"النهار":

وسط وقائع ميدانية ملتهبة تتّسع في ظلّها عمليات التقدّم الإسرائيلي البرّي التي بلغت يحمر شقيف وتقترب من قلعة الشقيف، كما تتّسع الغارات الجوية التي استهدفت أمس الشويفات عند أطراف الضاحية الجنوبية في محاولة اغتيال قيادي عسكري كبير في "حزب الله"، لم يكن سهلاً إسباغ التوقّعات المسبقة حيال ما يمكن أن تنتهي إليه جولة المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية المباشرة برعاية الولايات المتحدة الأميركية اليوم في البنتاغون في انتظار آلية هذه المفاوضات وجدول أعمالها باعتبار أن الطابع العسكري للمفاوضات ليس مقرّراً بل الطابع السياسي ولكن ذلك لا يقلّل أهميته.

وإذ يبدو واضحاً أن أجندة الوفد العسكري اللبناني إلى الجولة التفاوضية الأولى اليوم ستركّز على تثبيت أولوية وقف النار والأعمال التدميرية في الجنوب كما عمليّات التوغّل البرّي الإسرائيلي، تبرز التعقيدات الكبيرة أمام الوفد اللبناني في إقناعه الراعي الأميركي في المقام الأول بقدرة الجيش اللبناني على التزام خطة جديدة لحصر السلاح التي تعني نزع سلاح "حزب الله" ولو أن الجولة المرتقبة ستشهد شرحاً تفصيلياً من الجانب اللبناني لما قام به الجيش في جنوب الليطاني قبل اندلاع الحرب الحالية فضلاً عن طرح موضوع دعم الجيش واحتياجاته لبسط حصرية السلاح على كل لبنان.

وتتّخذ الجولة العسكرية أهميتها بأنّها تأتي استكمالاً للمحادثات الديبلوماسية التي ستعقد جولتها الرابعة في واشنطن في الثاني والثالث من حزيران المقبل. وبرز طابع التكامل بين الجولات العسكرية والديبلوماسية في الاجتماع التنسيقي للوفد اللبناني المشارك في مفاوضات واشنطن بشقّيه السياسي والعسكري برئاسة السفير سيمون كرم، والذي عقد أمس في السفارة اللبنانية في واشنطن تمهيداً للجلسة العسكرية الأولى في البنتاغون اليوم الجمعة.

هذه المحطّة البارزة في المسار التفاوضي لم تحجب التطوّرات الميدانية المتفجّرة في لبنان في وقت تعهّد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "بمواصلة ضرب "حزب الله" بقوّة شديدة"، مشيراً إلى أن "قوّاتنا عبرت نهر الليطاني في لبنان".

وأعلن المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيلية أن إسرائيل ستعمل مع الحكومة اللبنانية للتوصّل إلى اتّفاق يحقّق السلام، مشدّداً على أن "حزب الله يخرق وقف إطلاق النار"، وأن "إيران وحزب الله هما من يخرقان وقف إطلاق النار وليس إسرائيل".

وأضاف أن لإسرائيل "مسؤولية أمام شعبها للدفاع عن حدودها الشمالية"، مؤكّداً أنّها "ترد بقوّة على جميع انتهاكات حزب الله"، وتعمل على "تدمير مراكز القيادة والإطلاق والأنفاق التابعة له"، مشيراً إلى أنّه "تم استهداف مئات الأهداف من البنى التحتية لحزب الله خلال الأيام الأخيرة".

وأكّد المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية أن "24 من جنودنا قتلوا في هجمات "حزب الله" الأخيرة.
غير أن رئيس الحكومة نواف سلام كتب في المقابل عبر منصة "إكس": "لا شيء يمكن أن يبرّر الاعتداءات المتواصلة التي تتعرّض لها منطقتا صور والنبطية وتدمير معالمها التاريخية، ولا التهديدات المستمرّة التي تطال أهلنا الآمنين فيها، ولا الدعوات المتكرّرة لهم لمغادرة بيوتهم وترك أرزاقهم، بما يرقى إلى العقاب الجماعي الذي تدينه كل الأعراف والشرائع الدولية. إن هذا يجعلنا أكثر تمسّكاً بضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من بلادنا، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، بما يسمح بعودة كل النازحين إلى ديارهم بأمن وكرامة. ونحن مستمرّون في حشد كل الدعم العربي والدولي لتحقيق ذلك. فهذا واجبنا الوطني وحقّنا الثابت الذي لن نساوم عليه تحت أي ظرف".
في غضون ذلك شهد الوضع الميداني يوماً متفجّراً آخر بلغ تصعيده الضاحية الجنوبية مجدّداً إذ شنّت غارة إسرائيلية على شقّة في أحد المباني في منطقة الأجنحة الخمسة في الشويفات، وسط معلومات تشير إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى.

وكشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن المستهدف في الغارة على بيروت هو علي الحسيني مسؤول المنظومة الصاروخية في "فرقة الإمام الحسين" وهي لواء تابع لفيلق القدس الإيراني، مشيرة إلى "شكوك بشأن نجاح عملية اغتيال علي الحسيني قائد وحدة الصواريخ في الحزب".

وأفادت مصادر في الجيش الإسرائيلي بأنّ التقديرات الأولية تشير إلى أنّ عملية اغتيال علي الحسيني، قائد وحدة الصواريخ في "حزب الله"، قد تكون فشلت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، صباح أمس أنّه بدأ بضرب "بنية تحتية لحزب الله" حول مدينة صور، وذلك عقب إصداره أمراً لسكّان مبان بالإخلاء في المدينة.

وبعد الظهر، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً إلى السكّان المتواجدين في البلدات والقرى التالية: حبوش، كفور، سحمر، عين قانا، نبطية التحتا، کفررمان.

ثم وجّه إنذاراً آخر إلى سكّان شبريحا، حمادية (صور)، جل البحر، زقوق المفدي، البص، المعشوق، برج الشمالي، نبعا، الحوش، الرشيدية وعين بعال بإخلاء منازلهم فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.

هذا، وشن الطيران الحربي صباح اليوم غارة على حي المسلخ في مدينة النبطية، مستهدفاً منزلا في محيط مدرسة السلام. وشنّت الطائرات الحربية والمسيّرة عشرات الغارات على مناطق الجنوب والبقاع الغربي، وتعرّض حي القلعة في بلدة حاروف لغارة، وأتبعت بغارة شنّها الطيران الحربي الإسرائيلي على حي البيدر وأفيد عن وقوع أصابة.

وأصيب 3 مواطنين بجروح جراء غارة لمسيّرة إسرائيلية على بلدة جبشيت.

وفيما أفادت القناة 12 الإسرائيليّة بأن "حزب الله" أطلق نحو 15 مسيّرة باتّجاه إسرائيل خلال السّاعات الـ24 وسقطت منها 4 على الأقلّ داخل أراضيها، وأعلن الجيش الإسرائيلي، مساء امس  أنّه نفّذ عمليات استهداف أدّت إلى مقتل سبعة من قيادات "حزب الله" في عدد من البلدات الجنوبية، بينها الخيام، الشقيف، يحمر، جبشيت، وجويا، وذلك في إطار العمليات العسكرية المتواصلة على الجبهة الجنوبية للبنان.

وقال الجيش الإسرائيلي إن العمليات التي نُفّذت خلال الأسبوعين الماضيين أسفرت عن "تصفية قادة ميدانيين رئيسيين" تابعين لـ"حزب الله"، مشيراً إلى أن الاستهدافات جاءت بعد عمليات رصد ومتابعة ميدانية لتحرّكات القيادات والعناصر في تلك المناطق.

وأضاف أنّه تمكّن منذ بداية الحرب من “القضاء على 2500 عنصر من حزب الله”، معتبراً أن الضربات المتواصلة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية للحزب ومنع تنفيذ هجمات انطلاقاً من جنوب لبنان.

وأضاف في بيان: "في ختام تحقيق استخباراتي، وبعد سلسلة من الغارات المكثّفة التي نُفذت خلال الأسبوعين الأخيرين، ينشر الجيش الإسرائيلي تفاصيل عدد من عمليات الاغتيال التي استهدفت أبرز قادة المناطق الميدانيين في "حزب الله"، المسؤولين عن إدارة القتال ودفع مخطّطات ضدّ القوات الإسرائيليّة وإسرائيل".

 

 

 

"الأنباء الإلكترونية": بين أجواء من التصعيد العسكري الاسرائيلي المتفلت من كل قيود، معتمداً الضوءَ الاخضرَ الأميركي مَساراً متدحرِجاً لتوسيع بنك أهدافِه وتبديل واقع المَيدان جنوباً من صور الى النبطية والاستهدافُ المفاجئ في الشويفات عند أطرافِ ضاحيةِ بيروتَ الجنوبية، وعلى هذه المستجدات تسعى اسرائيل لتكريسِ واقعٍ جديد يمنحُها قدرةً أكبرَ على فرض شروطِها مستفيدة من الَّلعِب في هامشٍ أميركيٍّ يلزمها تحييدِ العاصمة بيروت والضاحيةِ الجنوبية ومُنشآتِ الدولة نتيجةَ الاتصالاتِ المكثفة لرئيسِ الجمهورية جوزاف عون معَ الجانبِ الأميركي، وبين عدمِ ممانعةِ واشنطن استمرار اسرائيل في الاغتيالات عبر تنفيذ عملياتٍ موضِعية أينما كان على قاعدة الدفاع عن النفس، وبين أجواء الترقب الدولي لكلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب النهائية تجاه انعطافة دبلوماسية إسلام آباد وما أشيع عن اتفاق بين واشنطن وطهران، تتجه الأنظار إلى أروقة البنتاغون الأميركي، حيث تنطلق المفاوضات العسكرية الشاقة بين الوفد اللبناني برئاسة العميد الركن هادي حاطوم وعضوية ضباط من مديرية المخابرات والغرفة العسكرية، والوفد الإسرائيلي المقابل برعاية القيادة العسكرية الأميركية. 

وسيركزُ الجانبُ اللبناني بشكل أساسي على ضرورة وقفِ اطلاق النار وتثبيتِه قبل الانتقالِ الى أيِّ بحثٍ آخر، بعد أن كانت تكثفت خلال الساعات الماضية على مستويات سياسية وعسكرية وأمنية، التحضيرات والإتصالات بين بعبدا وواشنطن، في ضوء توجيهات رئيس الجمهورية وضرورة التمسك بالثوابت الوطنية والسيادية، ورفض أي محاولة لفرض وقائع ميدانية أو سياسية جديدة تحت ضغط النار. وتشير المعطيات إلى أن جدول الأعمال سيتناول عنوان الوقف الفوري لإطلاق النار، وترسيم النقاط الخلافية، وآليات تثبيت التهدئة، إنطلاقا من إتفاقية 2024، إضافة إلى البحث في الضمانات الأميركية المطلوبة لمنع تكرار الخروق الإسرائيلية. كما سيشدد الوفد اللبناني على ضرورة إلزام العدو بتنفيذ تعهداته السابقة ووقف سياسة الاغتيالات والاستهدافات التي باتت تهدد الاستقرار الداخلي اللبناني بشكل مباشر.

وكان رئيس الجمهورية حمّل الوفد اللبناني قبل سفره جملة من التوجيهات الصارمة لخصت بما يلي: "التركيز على الوقف الفوري لإطلاق النار كشرط للدخول في أي مفاوضات، وأن سيادة لبنان برّاً وبحراً وجوّاً ليست مادة للمساومة أو التفاوض، وأي اتفاق لا يضمن الانسحاب الكامل وغير المشروط من أراضينا وتثبيت حدودنا الدولية وفق القرارات الأممية هو اتفاق ولِد ميتاً. اذهبوا محصنين بحقوقكم، ولا تقبلوا بأي إملاءات تمس بكرامتنا الوطنية، فالمقاومة الدبلوماسية في البنتاغون لا تقل أهمية عن صمود الجنوبيين."

وفي مقابل المسار التفاوضي، شهد الجنوب والبقاع الغربي تطوراً ميدانياً لافتاً خلال الساعات الأخيرة، مع تصاعد وتيرة الغارات الجوية والتوغل الإسرائيلي في مناطق جديدة خارج ما سمي بـ "الخط الأصفر" وما بعد مجرى الليطاني، والحديث عن توسيع العملية العسكرية لتشمل مدينة صور وصولاً الى الزهراني شمالاً والبقاع الغربي شرقاً، في مؤشر إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية، بحيث أظهرت التطورات الميدانية أن حكومة الاحتلال ماضية في سياسة الضغط العسكري ومحاولة تعديل قواعد الاشتباك، الأمر الذي يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد.

في ضوء هذا الانفجار الميداني المتزامن مع الحراك الدبلوماسي، رأى رئيس الحكومة نواف سلام، أن"لا شيء يمكن أن يبرر الاعتداءات المتواصلة التي تتعرض لها منطقتا صور والنبطية، وتدمير معالمهما التاريخية، والتهديدات المستمرة التي تطال الأهالي الآمنين فيهما". وقال: "إن الدعوات المتكررة للسكان لمغادرة منازلهم وترك أرزاقهم ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي الذي تدينه كل الأعراف والشرائع الدولية".

 وأكد سلام أن هذه التطورات تزيد لبنان تمسكاً بضرورة "الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها"، بما يتيح عودة النازحين إلى ديارهم "بأمن وكرامة". وأشار إلى أن لبنان مستمر في "حشد كل الدعم العربي والدولي" لتحقيق هذه الأهداف، مشدداً على أن ذلك "واجب وطني وحق ثابت لن نساوم عليه تحت أي ظرف".

إقليمياً، تتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، بعد المعلومات التي نشرها موقع "أكسيوس" حول اتفاق يُنتظر أن يرفع إلى الرئيس ترامب للتوقيع عليه. وبحسب التسريبات، يتضمن الاتفاق بنوداً مرتبطة بمستويات تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة الدولية، وتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالتهدئة الإقليمية وضبط مسارات التصعيد. إلا أن المشهد لا يزال ضبابياً، خصوصاً بعد تصريحات ترامب الأخيرة التي أبدى فيها عدم رضاه عن مسار التفاوض، مؤكداً أنه لن يقبل إلا "باتفاق مناسب" يضمن المصالح الأميركية بصورة كاملة، ما يفتح الباب أمام تعديلات أو شروط إضافية قد تعرقل الوصول إلى تفاهم نهائي.
 

ونفى مصدر مقرّب من فريق التفاوض الإيراني ما تردّد في وسائل إعلام غربية بشأن الانتهاء من صياغة مذكرة تفاهم محتملة بين طهران وواشنطن، مؤكداً أن النص "لم يُنجز بعد ولم يتم تأكيده".

وقال المصدر، في تصريحات لوكالة "تسنيم"، إن ما يُتداول عن أن الاتفاق بات جاهزاً وينتظر فقط الإعلان الرسمي من الطرفين "غير صحيح"، مشيراً إلى أن إيران لم تُبلغ حتى الآن الوسيط الباكستاني بانتهاء صياغة النص.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد القلق الخليجي بعد الخروق العسكرية التي طاولت دولة الكويت، في تطور اعتبرته أوساط دبلوماسية مؤشراً خطيراً إلى اتساع رقعة الرسائل العسكرية المتبادلة في المنطقة، وربطت بينه وبين الضغوط المتبادلة على طاولة التفاوض بين واشنطن وطهران.

بين مفاوضات البنتاغون والتصعيد الميداني جنوباً، وبين التفاهمات الأميركية الإيرانية المتعثرة والرسائل العسكرية المتنقلة في الخليج، يقف لبنان مجدداً في قلب العاصفة الإقليمية. مرحلة تختلط فيها الدبلوماسية بالنار، وتتحول فيها كل جلسة تفاوض إلى اختبار توازنات، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح واشنطن في ضبط إيقاع المنطقة ومنع الانفجار الكبير، أم أن الميدان سبق السياسة وفرض معادلات جديدة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء؟

 

 

:نداء الوطن:: يعكس انطلاق المحادثات الأمنية المتوازية بين لبنان وإسرائيل في 29 أيار تحولًا هادئًا لكنه بالغ الأهمية في كيفية مقاربة الطرفين لمشهد ما بعد تشرين الثاني 2024، إذ لم يعد الأمر مجرّد مسار وحيد لتثبيت وقف إطلاق النار، بل أصبح تفاوضًا متعدّد الطبقات حول السيادة، والردع، ومستقبل سلاح "حزب الله".

وفي قلب "المسار العسكري" الجديد تكمن أساسيات أبرزها أن إسرائيل تدخل المحادثات لمعالجة ما تعتبره تهديدًا أمنيًا لم يُحسم بعد، أي ترسانة "حزب الله" ووجوده جنوب نهر الليطاني، بينما يركّز لبنان على الحد من النشاط العسكري الإسرائيلي وتسريع الانسحاب النهائي للقوات الإسرائيلية من المناطق المتنازع عليها في الجنوب. والنتيجة ليست أجندة مشتركة، بل أجندات متداخلة قد يصعب التوفيق بينهما.

فبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، يهدف "مسار البنتاغون" إلى إيجاد بدائل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الثاني 2024، والذي شهد التباسات في التنفيذ. التحضيرات لهذه الجولة سبقتها ضغوط ميدانية إسرائيلية وضغوط سياسية أميركية متزايدة لإيجاد آلية واقعية لضبط الحدود، وتدعيم دور الجيش، ضمن إشراف أميركي مكثف: Mechanism on steroids.

بروز استراتيجية المسارين

جاء قرار فصل المسارين السياسي والأمني بعد أكثر من عام ونصف العام من إخفاق تنفيذ وقف إطلاق النار. عمليًا، تعثر هذا المسعى. فقد وثقت التقارير العسكرية استمرار تموضع "حزب الله" في جنوب لبنان، بما في ذلك إعادة بناء شبكات الأنفاق ومستودعات الأسلحة، رغم الضربات الإسرائيلية والردود اللبنانية المحدودة. وقدّر مسؤولون إسرائيليون وأميركيون علنًا أن "حزب الله" لا يزال يحتفظ بآلاف من الصواريخ، بينها أنظمة دقيقة التوجيه، حتى بعد الاستهداف الإسرائيلي المستمر.

في هذا السياق، تشير مصادر أميركية الى أن إسرائيل تُقدِم المحادثات العسكرية الجديدة كمحاولة لفرض هيكلية على ما أصبح حلقة مفرغة من الضربات والردود المحدودة اللبنانية. الهدف ليس مجرّد التنسيق، بل الضغط: ربط إعادة انتشار إسرائيل وضبط النفس بخطوات لبنانية ملموسة ضد "حزب الله".

من هنا يتبنى الإسرائيليون استراتيجية هجينة تمزج بين الإكراه والدبلوماسية المشروطة.

من جهة، يُتوقع أن يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته من الضربات الموجهة، والغارات الاستخباراتية، والحفاظ على المواقع الأمامية في أجزاء من جنوب لبنان، لإضعاف قدرات "حزب الله" وإظهار الجدية. ويتماشى هذا مع عقيدة إسرائيل المعروفة في "السيطرة التدريجية" أي (mowing the grass)، ولكن مع بُعد سياسي إضافي: التأثير على دوافع "حزب الله" قبل المفاوضات.

في الوقت نفسه، تُشير إسرائيل إلى مرونة في تسلسل العمليات. ووفقًا لمصادر أميركية، قد تكون إسرائيل مُستعدة لتوزيع انسحابها تدريجيًا أو تخفيف وتيرة الضربات إذا أظهر الجيش اللبناني قدرةً فعّالة على فرض سيطرته، لا سيما في المناطق التي تم تطهيرها بالفعل من بنية "حزب الله" التحتية.

المنطق هنا دائري لكنه مقصود: كلما فعل الجيش اللبناني المزيد، تراجعت حاجة إسرائيل للعمل العسكري؛ ومع ذلك، يُنظر إلى استمرار الضغط الإسرائيلي كعامل ضروري لدفع "حزب الله"، وبالتالي بيروت، نحو تقديم تنازلات.

غير أن هذا النهج المزدوج يعكس شكوكًا في الأوساط الأمنية الإسرائيلية حول استعداد لبنان للمضي قدمًا. إذ اعتمدت الآليات السابقة، بما في ذلك ترتيبات المراقبة المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا بعد وقف إطلاق النار عام 2024، اعتمادًا كبيرًا على الاستخبارات الإسرائيلية، وأسفرت عمّا وصفه المسؤولون الأميركيون بأنه تطبيق لبناني "جزئي ورد فعلي".

بالنسبة للبنان، يكشف المسار العسكري عن معضلة داخلية أعمق: هل الدولة عاجزة أم غير راغبة في مواجهة حزب الله؟

وتقول المصادر الأميركية أنه لطالما صاغ المسؤولون اللبنانيون المسألة على أنها مسألة قدرة. فالجيش اللبناني، الذي أنهكه الانهيار الاقتصادي ويعتمد على المساعدات الخارجية، يفتقر إلى الموارد والدعم السياسي اللازمين لمواجهة جهة فاعلة غير حكومية مسلحة تسليحًا جيدًا ومتجذرة في النظام السياسي اللبناني.

لكنّ الكثيرين في واشنطن يرون أن هذا القيد سياسي في جوهره. إذ تجنبت الحكومة المواجهة المباشرة مع "حزب الله" ليس فقط خشية التصعيد، بل أيضًا بسبب ديناميكيات تقاسم السلطة الراسخة والصدمة المستمرة لاشتباكات أيار 2008، حين سيطر "حزب الله" لفترة وجيزة على أجزاء من بيروت بعد محاولة الحكومة تفكيك شبكة اتصالاته. وأصبح مفهوم "التوافق الوطني"، الذي كثيراً ما يستشهد به القادة اللبنانيون، محوراً للخلاف. وقد عمل في الواقع كآلية نقض، مما سمح لـ"حزب الله" وحلفائه بعرقلة القرارات التي تهدد استقلالهم العسكري.

يطرح هذا الأمر سؤالاً جوهريًا للمحادثات العسكرية: هل تستطيع الدولة اللبنانية التحرّك بحزم دون موافقة طائفية واسعة، أم أن سياسة التوافق تضمن استمرار الشلل؟

تحاول الولايات المتحدة التأثير على هذه الديناميكية من الخارج، وكان آخرها جولة جديدة من العقوبات التي استهدفت ليس فقط شخصيات "حزب الله"، بل أيضاً أفراداً من الأجهزة الأمنية. فإدراج المسؤولين الأمنيين يمثل تصعيدًا لافتًا ويعكس قلقًا أميركيًا متزايدًا من اختراق وتنسيق بين مؤسسات الدولة و"حزب الله". وهو قلق تكرر في تقارير الكونغرس وقرارات وزارة الخزانة خلال العقد الماضي.

تهدف العقوبات إلى غرضين: أولًا، التأكيد أن الدعم الأميركي للجيش اللبناني، الذي تجاوز 3 مليارات دولار منذ 2005، لن يكون مفتوحًا بلا شروط؛ وثانيًا، الضغط على المسؤولين اللبنانيين لاتخاذ تدابير داخلية، بما في ذلك تهميش أو عزل المسؤولين المتهمين بالتعاون.

فجوة المصداقية

في نهاية المطاف، تؤكد المصادر الأميركية أن نجاح المسار العسكري سيتوقف على متغيّر واحد: المصداقية (Credibility).

إذ تشكك إسرائيل في أن لبنان سينفذ عملية نزع سلاح حقيقي؛ بينما يشكك لبنان في أن إسرائيل ستوقف عملياتها. أما "حزب الله"، ورغم عدم وجوده المباشر على طاولة المفاوضات، فإنه يحتفظ بالقدرة على تعطيل كلا المسارين من خلال التصعيد.

وتقول المصادر الأميركية إن التجارب السابقة تعزز هذا الشك. ففي أعقاب وقف إطلاق النار لعام 2024، نفذ الجيش اللبناني عمليات محدودة في جنوب لبنان، غالبًا ما كانت تحظى بموافقة ضمنية من "حزب الله" وتستند إلى معلومات استخباراتية مقدّمة من جهات خارجية. غير أن هذه الجهود قصّرت عن تفكيك البنية التحتية للمجموعة، ولم تمتد بشكل ملموس إلى شمال نهر الليطاني.

وفي غضون ذلك، يشير المسؤولون الأميركيون إلى الاكتشافات الإسرائيلية المستمرة لمخابئ الأسلحة في مناطق تخضع اسميًا لسيطرة الجيش اللبناني، معتبرين ذلك دليلاً إمّا على العجز أو على التواطؤ. ويشدّدون على ضرورة كسر هذه الحلقة والخروج عمّا وصفه أحد الدبلوماسيين الأميركيين بأنه "نمط مألوف": وعود لبنانية، وتنفيذ جزئي، ومناشدات للحصول على مزيد من الوقت والمساعدة.

في المحصّلة، يشير إطلاق المحادثات العسكرية اليوم إلى أن كلا الجانبين يرى قيمة ما في اختبار إطار عمل جديد، حتى وإن ظلّت التوقعات منخفضة.

ويؤكد الأميركيون أنه بالنسبة لإسرائيل، توفر المحادثات مسارًا محتملاً لتقليل انكشافها العسكري على طول حدودها الشمالية من دون تقديم تنازلات بشأن مطالبها الأمنية الجوهرية. فيما تتيح للبنان فرصة لإعادة ترسيخ سلطة الدولة بشكل تدريجي على الأقل، بينما يسعى للحصول على متنفس من العمليات الإسرائيلية المستمرة.

غير أن نافذة التقدم قد تكون محدودة! وبعبارة أخرى، قد لا يقتصر المسار العسكري على كونه مجرّد تفاوض حول عمليات الانتشار والأسلحة، بل هو اختبار لما إذا كان لبنان قادرًا على ترجمة سيادته الرسمية إلى سيطرة فعلية، وما إذا كانت إسرائيل مستعدّة لمعايرة استخدام القوة بما يخدم تحقيق تلك النتيجة.

 

 

 

"الشرق الأوسط": تتصدر الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مدينتي النبطية وصور وجوارهما، وتعدّ الأعنف والأوسع منذ أسابيع، جدول أعمال أول اجتماع عسكري بين لبنان وإسرائيل سيعقد في الساعات المقبلة في «البنتاغون»، ويشارك فيه ضباط من القيادة الأميركية الوسطى، رغم أن إسرائيل تدخلت لدى واشنطن لإقناعها بتأجيله، لكنها قوبلت بإصرار على انعقاده في موعده، خصوصاً أن توجه الوفد اللبناني إلى واشنطن أدى إلى حشر تل أبيب، وكان وراء تثبيت انعقاده.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للاتصالات «اللبنانية - الأميركية» أن واشنطن مارست ضغطاً على إسرائيل للكف عن استهدافها لسد بحيرة القرعون في البقاع الغربي. وقال المصدر إن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على تواصل دائم بكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، طالباً منهم التدخل لوقف التصعيد الإسرائيلي وتثبيت الهدنة.

ولفت إلى أنه يأمل عدم شمول الضاحية الجنوبية وبيروت بالضربات الإسرائيلية، لأن تفلت الوضع، من وجهة نظر واشنطن، لا يخدم إلا المتضررين من المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية، وأن «حزب الله» لن يكون منزعجاً في حال توقفها أو تعليق اجتماعاتها تحت الضغط بالنار لتبرير دعوته للتفاوض غير المباشر.

وأكد أن قيام إسرائيل بتوسعة ضرباتها وتكثيف غاراتها كان موضع بحث في اتصالات عون بكبار المسؤولين الأميركيين، خصوصاً أنها لا تستهدف الأمكنة التي يستخدمها «حزب الله» لإطلاق المسيّرات الانقضاضية بل أخذت تطاول عشرات البلدات، وأدت إلى تهجير سكانها وتدمير منازلهم. وقال إن محاولات جرت للتوصل إلى هدنة تسبق الاجتماع العسكري، لكنها اصطدمت كالعادة بموقف «حزب الله» وإسرائيل على خلفية مَنْ يلتزم أولاً بوقف النار؟

ورأى المصدر أن إسرائيل بتوسعة ضرباتها غير المسبوقة التي استهدفت المدنيين والعناصر العاملة في الهيئات الصحية والدفاع المدني، كانت تراهن على تعليق الاجتماع بطلب من لبنان، وهذا ما لم يفعله، ما اضطرها للدخول مباشرة على خط التواصل مع «الخارجية الأميركية» لإقناعها بتأجيله، لكنها لم تلقَ التجاوب، وأُبلغت بأنه قائم في موعده بلا أي تأخير، خصوصاً أن لبنان ليس سبباً في تأجيله.

وقال إن تثبيت الهدنة سيُدرج، بناءً على طلب الوفد العسكري اللبناني برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، بنداً أول على جدول أعماله، وأنه يراهن على تدخل الوفد العسكري الأميركي بناءً لاتصالات لبنانية شملت وزير الخارجية ماركو روبيو للضغط على الوفد الإسرائيلي لإلزامه بوقف النار، وفي حال لم يلقَ التجاوب المطلوب فإن البديل يكمن في دعوته لخفض منسوب التصعيد بامتناعه عن توسعة الضربات، بالتلازم مع إصرار الجيش الإسرائيلي على التوغل إلى مثلث بلدات يحمر - أرنون - ميفدون بعد دخوله إلى بلدة زوطر الشرقية.

وأكد المصدر أن تثبيت الهدنة يُمهّد الطريق أمام انعقاد الاجتماع السياسي بين البلدين يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل بأجواء هادئة لئلا ينعقد تحت ضغط إسرائيل بالنار.

وقال إن الاجتماع العسكري يبقى تحت سقف تبادل الطروحات بين الوفدين دون حسمه كل ما يتعلق بالملف السياسي الذي هو من اختصاص وصلاحية الوفد اللبناني المفاوض، برئاسة السفير السابق سيمون كرم، الذي سيتقدم بتصور لبناني متكامل يتناول سلاح «حزب الله» تطبيقاً لحصريته على مراحل بيد الدولة، في مقابل جدولة الانسحاب الإسرائيلي، كما «إعلان النيات» الذي كان قد طرحه في جلسة المفاوضات السابقة، وطلب رئيس الوفد الإسرائيلي السفير لدى واشنطن يحيئيل ليتر التمهل لمراجعة رئيس حكومته بنيامين نتنياهو للوقوف على رأيه ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه.

ولم يستبعد المصدر أن يفتح تبادل الطروحات الباب أمام تقييم الأسباب التي حالت دون انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، باحتفاظ إسرائيل بالنقاط الخمس، في مقابل امتناع «حزب الله» عن التجاوب مع قيادة قطاع جنوب الليطاني، بتزويدها بالخرائط الخاصة بالأنفاق التي شقّها تحت الأرض، ويختزن فيها الصواريخ، إضافة إلى عتاد عسكري متنوع، ما تسبب عند تفكيك بعضها في مقتل 12 جندياً وعشرات الجرحى.

وجدد تأكيده أن الوفد اللبناني للمفاوضات السياسية هو مَن يتخذ القرارات بالتشاور مع عون، وإنما تحت سقف إمكانية التوصل لاتفاق أمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين، ولن يكون له من مفاعيل سياسية تؤدي لاتفاق سلام لن ينخرط فيه لبنان وحيداً من دون الدول العربية على قاعدة تمسكه بمبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة المنعقدة في بيروت عام 2002.

وفي هذا السياق، سأل مصدر سياسي عمّا إذا كان تعثر المفاوضات «الأميركية - الإيرانية» يُشكّل حافزاً أميركياً للتوصل إلى اتفاق يقضي بتثبيت الهدنة بين لبنان وإسرائيل، على أن تترك الإدارة الأميركية لنفسها اختيار التوقيت المناسب للإعلان عن ولادته، إفساحاً في المجال أمام التوصل إلى وقف لإطلاق النار يُسجَّل في خانة عون، ويأتي استباقاً للاتفاق «الأميركي - الإيراني»، في حال أدت الوساطات المتعددة إلى تذليل المعوقات التي تؤخر الإعلان عنه، بما يدعم وجهة نظر واشنطن في تمرير رسالة إلى «الثنائي الشيعي»، مفادها أنه لا جدوى من ربط المسار اللبناني بإيران، وأن المصلحة تقتضي الفصل بينهما، ما يضع «الثنائي» أمام إعادة النظر في رهانه على أن لبنان سيكون مشمولاً بالاتفاق «الأميركي - الإيراني».

 

 

"العربي الجديد": مع تزايد احتمالات اقتراب واشنطن من عقد صفقة مع طهران، تبرز تساؤلات حول ما الذي يضيفه اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران، ولماذا اندلعت الحرب من الأساس، وما سبب انسحاب ترامب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي الإيراني الذي اعتُمد رسمياً عام 2015، والمعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، إذا كان الاتفاق الجديد لا يتجاوز في جوهره ما أُبرم قبل أكثر من عقد. وبينما تبدو محاولة ربط الصفقة المحتملة باتفاقات أبراهام محاولةً لتحسين صورتها، فإنها تمثل أيضاً إضافة يمكن لترامب أن يجادل من خلالها بأن صفقته أفضل من اتفاق الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.

ويحاول ترامب استباق الانتقادات المتوقعة لأي اتفاق مع إيران، إذ كتب سابقاً أن أي اتفاق مع طهران سيكون "النقيض تماماً لكارثة خطة العمل المشتركة التي تفاوضت عليها إدارة أوباما الفاشلة"، معتبراً أنها كانت تمثل طريقاً واضحاً أمام إيران لامتلاك سلاح نووي. وأضاف: "أنا لا أبرم مثل هذه الاتفاقات". كما كرر هذا الأسبوع تصريحات مماثلة. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا الحرب على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي، قبل أن يعلن ترامب وقف إطلاق النار في 8 إبريل/نيسان الماضي تمهيداً للتفاوض على صفقة لا تزال مستعصية حتى الآن.

ما هي الشروط الرئيسية المفروضة على إيران؟
كان الشرط الأساسي في اتفاق 2015 تحديد الحد الأقصى لمستوى تخصيب اليورانيوم عند 3.67% لمدة 15 عاماً، مع خفض مخزون اليورانيوم المخصب إلى أقل من 300 كيلوغرام فقط. وأدى ذلك إلى تخلي إيران عن نحو 11 طناً من اليورانيوم المخصب، كانت نسبة التخصيب في جزء منه تتراوح بين 20% و40%، ونقله إلى روسيا، ما يعني التخلص من نحو 97% من مخزونها المخصب. كما تضمن الاتفاق تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي إلى نحو خمسة آلاف جهاز بدلاً من 19 ألفاً.

وكان الجزء الأكثر أهمية يتعلق بالشفافية في البرنامج النووي الإيراني السلمي، إذ سمحت طهران للمنظمات الدولية بتفتيش ومراقبة البرنامج في جزء من الاتفاق. وكان الهدف من خطة العمل الشاملة المشتركة تقييد البرنامج الإيراني عبر آلية تسمح للمجتمع الدولي بالرقابة وتحد من قدرة إيران على تطوير برنامج ذي طابع عسكري، بما يضمن الطابع السلمي لبرنامجها النووي. وحتى المطلب الذي يصر عليه ترامب حالياً، والمتمثل في تعهد إيران بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك أسلحة نووية أو تطويرها، كان جزءاً من الاتفاق آنذاك.

ماذا قدمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإيران؟
أرسلت واشنطن إلى طهران مبلغ 1.7 مليار دولار، وهو المبلغ الذي يتحدث عنه ترامب كثيراً. وقالت وزارة الخارجية الأميركية آنذاك، في شهادة أمام الكونغرس قدمتها المستشارة القانونية للوزارة ليزا غروش، إن هذه الأموال عبارة عن 400 مليون دولار دفعتها إيران سابقاً وأودعتها في صندوق ائتماني أميركي خاص بالمبيعات العسكرية، إضافة إلى 1.3 مليار دولار فوائد مستحقة على المبلغ الأصلي. في المقابل، اعتبر معارضو الاتفاق آنذاك أن هذه التسوية تمثل أموالاً دُفعت مقابل الإفراج عن أميركيين كانت إيران تحتجزهم.

كذلك، رُفعت العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، ما أتاح لإيران الوصول إلى أصولها المجمدة المرتبطة بهذه العقوبات، والتي قُدرت آنذاك بنحو 100 مليار دولار. وكان ما يقارب نصف هذا المبلغ مرتبطاً بتسوية ديون إيرانية مستحقة لجهات أجنبية. وقال وزير الخزانة الأميركي آنذاك جاكوب لو، في شهادة أمام الكونغرس، إن المبلغ الفعلي الذي تستطيع إيران التصرف به واستخدامه يبلغ نحو 50 مليار دولار.

ما الذي يريده ترامب حالياً؟
يريد ترامب، كما أعلن أكثر من مرة، أن تؤكد إيران أنها لن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وهو أمر كان بالفعل جزءاً من اتفاق عام 2015. أما الأمر الآخر الذي أكد موافقته عليه، فهو أن تمتد مدة الاتفاق إلى 20 عاماً، ما يعني إضافة خمس سنوات إلى مدة الاتفاق السابق.

وأسوة باتفاق 2015، يريد ترامب أن تتخلى إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهو ما لم تعلن طهران موافقتها عليه حتى الآن. وقد دفع ذلك ترامب هذا الأسبوع إلى طرح خيارات جديدة، تشمل حصول الولايات المتحدة على اليورانيوم المخصب وتدميره، أو تدميره داخل إيران أو خارجها بإشراف أميركي وشهادة أممية. وحتى في حال تدمير هذا المخزون، فإن الكمية الحالية عالية التخصيب، والمقدرة بنحو 440 كيلوغراماً، جرى إنتاجها أساساً بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. أما ملف الأموال الإيرانية المجمدة، فتشير واشنطن إلى أنه سيُبحث إذا حسنت إيران من سلوكها.

ما الذي خسرته واشنطن بسبب الحرب الحالية؟
سيطرت إيران على مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل الملاحة العالمية في أهم ممر مائي للطاقة في العالم، وتوقف نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالمياً. وتستخدم طهران المضيق ورقة ضغط لفرض شروط لم تكن قادرة على فرضها خلال مفاوضات اتفاق باراك أوباما. ورغم محاولات ترامب الضغط عليها، سواء عبر الحصار أو التهديد باستخدام القوة العسكرية، فإن إيران لا تزال ترفض شروط واشنطن بوقف تخصيب اليورانيوم نهائياً، وتسعى إلى تحقيق مكاسب من جراء ذلك.

هل يسعى ترامب إلى تعزيز صفقته عبر اتفاقات أبراهام؟
مع طرح إمكانية التوصل إلى اتفاق، يضغط ترامب على دول خليجية وإسلامية للانضمام إلى اتفاقات أبراهام، في ما يوصف بأنه محاولة لتحسين صورة الاتفاق المحتمل مع إيران، ما يسمح له بتسويقه داخلياً أمام ناخبيه باعتباره أفضل من اتفاق أوباما في مواجهة الانتقادات الحالية. ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كان ترامب يسعى خلال هذه المرحلة إلى زيادة الضغوط على هذه الدول لدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل، بهدف تقديم ذلك للرأي العام الأميركي باعتباره إنجازاً سياسياً إضافياً.

وكان مسؤولان أميركيان قد قالا لموقع "أكسيوس"، اليوم الخميس، إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين توصلوا إلى اتفاق بشأن مذكرة تفاهم تمتد 60 يوماً، تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يمنح موافقته النهائية عليها بعد. فيما ذكر مسؤولون أميركيون آخرون أن موافقة ترامب قد تستغرق عدة أيام.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الصحف اللبنانية